الصناعة الثقيلة

21/11/2014 - 22:03

يرى الكاتب المغربي الكبير أحمد بوزفور أن الإبداع «صناعة خفيفة»، أما خلق المبدعين فـ«صناعة ثقيلة». قال هذا الكلام في إحدى الثانويات، خلال واحد من تلك اللقاءات المحببة له أكثر من غيرها، والتي يفضل على سواها، لأنه يؤمن أن المدرسة هي المبتدأ والمنتهى، والتلاميذ هم التربة الواعدة والثمرة الموعودة. ورغم أن بوزفور كان يتحدث في لقاء يتمحور حول القصة، فإن كلامه يسري على كل نواحي المعرفة وكل جوانب الحياة.

بيد أن «الآلة» الرئيسة لهذه الصناعة الثقيلة، و«العامل» الأساس فيها، أي المدرسة والمُدرّس، يعانيان منذ عقود من أعطاب كثيرة، صارت أمراضا مزمنة تُهددهما بالعجز الشامل مثلما يهدد السكري الحاد المصابين به. 

فحسب دراسة جديدة كشفت عنها وزارة التربية الوطنية، أول أمس (الأربعاء)، ترى أن 47 في المائة من المدرسين بالمستوى الابتدائي يرون أن التعليم لن يفيد تلامذتهم في شيء. 

وأظهرت الدراسة ذاتها أن 98 في المائة من قاعات التعليم الابتدائي، لا تتوفر على وسائل إضافية للقراءة، ماعدا السبورات السوداء والطباشير الأبيض! هذا في عصر أصبح الحديث في كل بقاع العالم عن طرق جديدة للتدريس تقوم على التكنولوجيات الجديدة.. في عصر  تم فيه التخلي في عدد كبير من البلدان المتقدمة حتى عن القلم الجاف كما عرفناه لصالح الألواح الإلكترونية.

ليس هذا فقط، فالمغرب يحتل المرتبة الأخيرة ضمن الـ55 بلدا التي جرت فيها دراسات حول جودة القراءة في الابتدائي، بل إن دراسة أمريكية كشفت أن 66 في المائة من تلاميذ المستويين الثاني والثالث من التعليم الابتدائي، عاجزون عن قراءة نص بسيط بالعربية وفهم محتواه. بل هناك جزء غير يسير ممن يُتابعون دراستهم في هذين الفصلين يجهلون حتى حروف الأبجدية العربية! أي أن هذه المدرسة لا تقوم لحد الآن حتى بتلك المهمة الأولية المتمثلة في «محو الأمية».. وهي مهمة تبدو عتيقة تفوح منها رائحة «الغمولة» بالنسبة إلى مدرسة في القرن الواحد والعشرين، التي أخذت تركز على تنمية القدرات الإبداعية للأطفال واليافعين ليكونوا قادرين على الانخراط في الثورة الرقمية والتفاعل مع المعرفة وليس فقط، تحصيلها.

قبل قرون قال الكاتب الفرنسي الشهير مونتين: «إن التعليم ليس هو ملء الإناء، بل إيقاد النار» ( Éduquer, ce n’est pas remplir des vases mais c’est allumer des feux ).

فكيف يكمن إيقاد نار الإبداع في الكائن المغربي وجعله مقبلا على المبادرة والخلق والابتكار، بـ«مصنع» مُهترِئ مثل المدرسة المغربية وبـ»صانع» يائس مثل المُدرّس المغربي، مازالا لم يفلحا، حتى الآن، في ملء إناء هذا الكائن بالمبادئ الأولى للمعرفة؟

شارك المقال