> أنهيت تصوير ثالث أفلامك القصيرة «دوار السوليما»، حدثينا عن ملامح هذه التجربة وما يميزها عن سابقاتها؟
< أعتبر تجربتي الأخيرة في تصوير ثالث أفلامي المهنية، وخامس أفلامي بصفة عامة، إذا أقحمنا أفلام التخرج، تجربة خاصة، وسينما مغايرة جربت فيها قدرتي على التعامل مع الوسط القروي، أو ما أسميه سينما المغرب العميق، إذ أشركت شباب دوار لا يعرف عن السينما سوى اسمها الذي يُنطق بطريقة مغايرة (السوليما)، وعملت على تعريفهم بخبايا هذا العالم الذي يتمركز في المدن أكثر، وإن كان ينعدم في كثير منها، ويضمحل في الباقي.
كما أني حاولت الاشتغال كالعادة في هذا الفيلم بطريقة وثائقية، ظهرت أكثر في تعاملي مع القاعة السينمائية كشخصية أساسية.
>لكن هناك أيضا جديدا، فهذا الفيلم حظي بدعم المركز السينمائي، ما هيأ له ظروفا أخرى للاشتغال؟
< صحيح أن هذا أمر جديد أيضا، إذ إن دعم المركز السينمائي مكنني من الاشتغال بارتياح أكثر مما كان عليه الحال في أعمالي السابقة. وفي هذا الصدد، أعتقد أنه من الصعب، إن لم أقل من المستحيل، أن يكون المخرج منتجا في الوقت نفسه، وهو أمر عشته في إخراجي لـ«ألوان الصمت» مثلا، ولن أكرره أبدا.
ولا أنسى، بمناسبة الحديث عن الدعم، الدور الذي قامت به سلطات ومدينة بنجرير في دعمي لإخراج هذا الفيلم إلى حيز الوجود. هذه المدينة فتحت لي الأبواب، فكان دور المجلس البلدي والعمالة والسكان بارزا، ولولاهم لتعثرت في إكمال هذا الفيلم بسبب متطلباته التي كانت تفوق الدعم الذي توصلت به. ومن بين هذه المتطلبات بناء قاعة سينما وسط البادية، الشيء الذي لم يكن متوفرا لولا دعم هذه المدينة.
> تحدثت عن الجانب التوثيقي، ألا تعتقدين أن تركيزك عليه في أعمالك من شأنه أن يبعدك عن النمط الروائي الذي تطمحين للاشتغال عليه؟
< لا أظن أنني سأبتعد عن الجانب الروائي، لأنه موجود، وبشدة، في الأسلوب الذي أخرج به أفلامي من خلال تمثيل مشاهد أربطها بالواقع، ثم إن الفيلم الأخير هو فيلم روائي محض، يحكي قصة شخوص خيالية ليس لها صلة بالواقع. لكن موضوع الفيلم العميق، الذي هو القاعة، يتحدث عن مشكل أساسي يهدد السينما المغربية، ويجب الالتفات إليه أولا قبل التحدث عن مسألة دعم الأفلام.
> هل تعتقدين، كما عدد من الشباب المخرجين، أنه حان الوقت لإخراج فيلم طويل، أم إنه مازال أمامك وقت أطول للتمرس أكثر في جنس الفيلم القصير؟
< لا أعتبر الفيلم القصير قنطرة لولوج عالم التمطيط. الفيلم القصير صنف يجب احترام خصوصياته ومقوماته. ولا أفرق بين فيلم طويل أو قصير أو وثائقي. فالمخرج حينما يقرر وضع الكاميرا في زاوية معينة لالتقاط لقطة ما فهو بصدد تثبيت وجهة نظره من أجل إنشاء ما يسمى فيلما. ويبقى السيناريو هو الحد الفاصل للتفريق بين الأجناس والحكم عليها حسب المدة ومدى حقيقة ومصداقية القصة، لنصل في الأخير إلى القول إن هذا فيلم قصير، وهذا روائي طويل، وذاك وثائقي لأنه يحكي عن شخوص موجودة حقيقية.
> هل تقصدين أن لغة السينما لغة واحدة؟
< أجل، هي لغة السينما وهي ما يحكمني. ونوعية الأفكار التي أستقيها عادة من واقعي ومما أعيشه أو عشته هي التي تفرض علي مدة الفيلم. لا أعمل على فكرة إلا إذا أحسست بأنني في داخلها. لا أفكر بتاتا في الإنتاج، لأنه والحمد لله هناك عدة صناديق للإنتاج عربية وأوروبية تدعم المشاريع إذا كُتبت بطريقة فنية تستجيب لشروط الإبداع العالمية.
> طيب، مادام الأمر بهذا اليسر، برأيك، هل تحضرين عملا طويلا؟
< كتبت سيناريو فيلم طويل بالسنغال «أفريكادوك»، وقد تم اختياري ضمن خلية الكتابة لمهرجان فيدادوك بأكادير السنة الماضية، لكنني ضحيت بدعم من منتجين من فرنسا وبلجيكا والمغرب، وذلك لأنه فيلم طويل يجب أخذ الوقت الكافي لترجمته إلى الواقع.
ولأن مدة التصوير والاشتغال على الشخصيات ومعها جوانب أخرى أكبر وأطول من مما يستلزمه الفيلم القصير، ارتأيت أن أخرج فيلمي القصير «دوار السوليما»، الذي كنت قد كتبته من قبل أن أعود لإكمال مشروعي الطويل الذي يجمع بين الروائي والوثائقي، وهذا هو أسلوبي في إخراج الأفلام.
وأحب هذا المزيج الذي يعطي مصداقية لخيالي، ويجعل المرء يدخل ويخرج من الخيال إلى الحقيقة بسلاسة ذكية.
> بصرف النظر عن دور المهرجانات، كيف تعملين على تقريب أعمالك من عموم الجمهور؟
< لا يمكننا الاستغناء عن دور المهرجانات البارز لنصرة أعمالنا وإعطائها حق السفر داخل الوطن وخارجه، في غياب دُور العرض، لأن الفيلم القصير أيضاً كان يعرض في القاعات قبل عرض كل فيلم طويل. فأعمالي تروجها المهرجانات، وفي بعض الحالات القنوات، وبينها القناة الثانية وقناة «بي بي سي»، اللتان اشتريتا مجموعة من الأفلام القصيرة، من بينها فيلمي الثاني، لعرضها في الشاشات الصغرى من خلال مشاهدتها لفيلمي في «الشورت كورنر» لمهرجان دبي السينمائي. لكن تبقى هذه المجهودات ضئيلة جدا في ظل غياب القاعات والنوادي السينمائية. وأقولها ثانية إن المشكل الرئيس بالنسبة إلى السينما في المغرب ليس هو الدعم، وإنما غياب القاعات السينمائية.