صدر هذا الأسبوع تقرير جديد لمنظمة «ترانسبارنسي» الدولية يتضمن القائمة السنوية لترتيب بلدان العالم وقياس مدى تقدمها أو تأخرها في مجال مكافحة الرشوة. ورحت كما هي العادة أبحث في تلك القائمة على اسم «MOROCCO». في السنين الأخيرة لم أكن أضيع وقتي في تقديم النظر بين المراتب الأولى، بل أمرُّ بسرعة إلى المراتب التي تقرب المائة أو تتعداها، ولكن هذه المرة لم أجد الاسم بالمرتبة الـ91 التي تركته فيها السنة الماضية، بل، ويا للمفاجأة، انتقل إلى المرتبة 80 من بين 175 بلدا.
قد يرى من لا يعرف بلادي حقا أن هذا التقدم بـ11 رتبة دفعة واحدة ينم عن تحسن ملموس في مكافحة فيروس الرشوة، بيد أن من له علم بخبايا بلادي، مثلي، يُدرك جيدا أن ما جاء في قائمة «ترانسبارنسي» لا يعدو كونه قفزة في الهواء، أو بالأحرى هي وثبة على شريط متحرك. فهو يوهمك بأنك تقدمت، والحال أنك لم تبرح مكانك قط.
فالرشوة في بلادي، ليست مرضا جلديا مستعصيا وكريها يشوه وجهنا وأطرافنا، ولكننا ندرك أن شفاءه ممكن في نهاية المطاف، إن احترمنا بصرامة وصفة الطبيب أو العشّاب لشهور طويلة وربما لسنوات مضنية. ولكن في الأخير ننظر إلى وجهنا في المرآة، ونتحسس المكان الذي كان مصابا، ثم نقترب من صورتنا المنعكسة وندقق النظر جيدا، بعدها نتراجع ونرفع الرأس قليلا وننفخ الصدر بزهو المنتصر.
ينتابني في كثير من الأحايين إحساس مزعج بأن الرشوة في بلادي مرض مزمن، مثل السكري، وصامت مثل «مرض الفيروس الكبدي»، ومتحول يعرف كيف يتأقلم مع اللقاحات مثل فيروس الزكام. إنه مرض عرف كيف ينغرس بدهاء في عمق تربة هذه البلاد لدرجة أصبح يبدو وكأنه جزء من بنية السلطة والمجتمع معا.
فالكائن المغربي يحس في عمق نفسه أنه مجبر على أن يدفع مقابلا لأية خدمة (سواء أكانت إدارية أو صحية أو قضائية أو غيرها…) يريد الحصول عليها من سلطة تُحسّسه بأن سماحها له بالبقاء على قيد الحياة، «عطية» لا حق له في طلب غيرها دون مقابل.
والكائن صاحب السلطة من جهته (سواء أكانت إدارية أو صحية أو قضائية أو غيرها…) يعتبر أن الأجر الذي يأخذه كل نهاية شهر (سواء أكان قليلا أو كثيرا)، لا يعدو كونه ذلك المقابل الذي يستحقه لأنه يقبل أن يتنقل كل يوم إلى مقر عمله. أما ما يقدمه لأقرانه من الكائنات المغربية الأخرى التي تقصده يوميا، من خدمة، فهي عمل إضافي يستحق أن يأخذ عنه مقابلا، وهذه المرة مباشرة من طالبه.
إن الرشوة في بلادي تُجسد تلك الصورة المقلوبة للعلاقة بين صاحب السلطة من جهة والخاضع لها من جهة ثانية. ففي البلدان التي ارتقى فيها الكائن إلى مرتبة المواطن ويتمتع بسلطة المواطنة، يعتبر الثاني أن الأول في خدمته، بيد أنه في بلادي، مازال الممسك بأية سلطة، مهما كانت بسيطة وتافهة، يعتبر الآخرين في خدمته.
وهذه قاعدة فزيائية وحقيقة جيولوجية في بلادي، لن تستطيع قفزة على قائمة «ترانسبارنسي» زحزحتها، فبالأحرى تغييرها.