نظمت مؤسسة مؤمنون بدون حدود ندوة فكرية بالرباط، حول « الفكر الديني وسؤال الإصلاح »، استضافت خلالها الكاتب التونسي محمد الحداد، الذي استعرض الخطوط العريضة لمجموعة من المؤلفات التي قام بكتابتها خلال السنوات الأخيرة، حول الإصلاح الديني في العالم العربي.
وكما ورد في كتابه « ديانة الضمير الفردي » دافع محمد الحداد، عن أطروحته التي تؤكد أن جوهر الإصلاح الديني هو الانتقال بالأديان من كونها تعبيرا عن هوية جمعية إلى جعلها تعبيرا عن التساؤل الفردي للإنسان حول القضايا الوجودية الكبرى.
وعلى هذا الأساس رفض الكاتب فكرة وجود ديانات إصلاحية وديانات غير قابلة للإصلاح الديني كما يطرح مارسيل غوشيه، معتبرا أن كل الأديان قد تحولت تاريخيا إلى وعي جماعي لكنها في حدوسها الأولية كانت ديانات فردية، وهذا ما يجعلها قابلة للتفعيل من جديد على هذا الأساس. [related_post]
وفي دراسات أخرى لذات الكاتب، ككتاب « محمد عبده.. حفريات تأويلية »، و »الإسلام بين العنف والإصلاح »، و »الإصلاحية الإسلامية »، أكد حداد أنه سعى إلى الدفاع عن فكرة وجود « إسلام إصلاحي » متميز عن أصولية التراث وأصولية النص، و »أن انحسار هذا الإسلام الإصلاحي لا يعود إلى عدم قابلية الإسلام للإصلاح الديني، كما يقول البعض، بل إلى انحسار الليبرالية الفكرية عموما، باعتبار أن مشروع الإصلاح الديني في القرن التاسع عشر كان مرتبطا بالتوجه الليبرالي الحديث الذي دافع عن مبادئ الحرية والمواطنة والتسامح في صياغات علمانية لدى البعض، وإصلاحية دينية لدى البعض الآخر ».
ومن هذا المنطلق، أصر الحداد على ضرورة إعادة تفعيل مشروع الإصلاح الديني في الإسلام باعتباره يمثل جزءا من مشروع أكبر وهو « الحداثة النقدية » التي تتسع للإصلاح الديني، بدل الحداثة التقليدية التي انطلقت من نظريات الأدوار التاريخية واعتبار الدين دورا منقضيا كما ورد في بعض كتابات أوغست كونت.
وأكد الكاتب التونسي أن سؤال الإصلاح في الفكر الديني المعاصر نشأ منذ التحولات التي شهدتها البشرية مع حلول العصر الحديث، وبما أن المنطقة الإسلامية قد واجهت الحداثة متأخرة، في القرن التاسع عشر، فإنها بدأت بدورها تواجه سؤال الإصلاح في هذا القرن. [related_video]
وفي ما يخص الإصلاح الديني، فقد اعتبر ذات المتحدث أنه كان جزءا أساسيا من الفكر الكوني للحداثة منذ القرن السادس عشر إلى الثلث الأول من القرن العشرين، ومثّل جزءا لا يقل أهمية عن الفكر العربي التنويري في القرن التاسع عشر قبل أن يختفي في القرن العشرين، دون أن يحقق طموحاته وأهدافه، مضيفا أن الفكر العربي قطع نفسه في القرن العشرين عن تطورات الفكر الديني الكوني، وظل يقرأ كانط منفصلا عن بروتستانيته، وماركس منفصلا عن الثقافة اليهوديّة التنويرية، وهايدغر منفصلا عن قضايا الهرمينوطيقا الدينية، وغاب عنه الاهتمام ببوسيه وبنجمين كونستان وديتوكفيل وكارل بارث ورودولف بيلتمان وبول تليش وهانس كونغ، وغيرهم.
ومع نهاية سبعينيات القرن الماضي، شهد الفكر العربي تحولا جديدا تمثّل في انحسار الأيديولوجيات العلمانية والعودة إلى التراث لمساءلته ونقده، وفي خضم هذا التحول يردف حداد، خضع هذا التراث نفسه لتجاذبات ذات خلفية إيديولوجية، لكنه دفع أيضا إلى قيام قراءات نقدية متحررة إلى حد ما من تلك التجاذبات.
وفي سياق هذا التوجه النقدي، سعى الكاتب إلى إعادة إبراز بعض خصائصه الأساسية، ومنها الطابع الليبرالي والمنفتح، وقضية الإصلاح الديني التي كانت قد طرحت بقوة آنذاك، قبل أن تختفي أو تكاد في القرن العشرين. وإعادة طرح قضية الإصلاح الديني في علاقة بتطور الفكر الحديث، وربط مشروع الإصلاح الديني الإسلامي بمشروع أوسع للإصلاح الديني الكوني.
[related_posts]