شِقَــــــاق!!

10/12/2014 - 13:46
 شِقَــــــاق!!

كانت السماء صافية والشمس ساطعة، بينما كان عمال المقبرة يهيلون التراب على الزوجة الهالكة، وما كاد المشيعون يغادرون المكان حتى تلبدت السماء بالغيوم ودوّى الرعد بلا انقطاع، التفت الجمع نحو زوج الميتة مستفسرين، فأجابهم بكل تأكيد: هذه علامة واضحة أنّ زوجتي وصلت إلى السماء!!

أمّا الذي مَثَلَ أمام القاضي مشتكياً من زوجته فقد سأله عن اسمها، فإذا به يضع أصبعه على رأسه وهو يدمدم: الله ينعل الشيطان، نَسِيتُه!!

هذا البُنْيَانُ الأسري الهش، ينظمه تشريع يدوي يَضِيعُ فيه الوقت والمداد والورق ووجع الدماغ، وعلى مدى الأسبوع توزع محكمة النقض قرارات النقض والإحالة على محاكم الموضوع لإجراء بحث مستفيض حول مالية الأسرة:

لسان الزوج واحد في معظم القضايا: لا دخل لي، أنا عاطل، طردني المؤاجر، لي والدان أنفق عليهما، لديّ أسرة أخرى أتكفل بها، الله غالب!!

ولسان الزوجة واحد: إنّه كاذب، يُخْفِي أجره، يُخْفِي ممتلكاته، يُضِيّعُ ماله سفهاً وتبذيراً، لا يُنفق على أسرته!!

وتَظّل محاكم الموضوع تُجري الأبحاث وتُعيدها، وتظّل محكمة النقض تَنْعَتُهَا بالقصور إلى أجلٍ غير مسمَى!!

أشفق كثيراً على أولئك الذين انتقدوا عدم صرف المعونة لِلْمُطَلَّقاتِ في إطار مسطرة التكافل الاجتماعي، وَعَابُوا على جهة الصرف أنها تُثقل كاهل الزوجين بِكَثْرَة الوثائق!!

 نَسِيَت الجهة المتأسفة أن نقطة انطلاق الأسرة بزواج لا يعرف بالأساس تنظيما مُحكماً، لِلدَّخْل هو مربط الفرس. لا يستطيع المرء أن يَحْصُلَ على قرض بسيط من شركة للسلف ما لم يدل بشهادة أجره، أمّا إذا أردت أنْ تتزوج فليس ضرورياً أن يكون لك دخل أو أَجْرٌ أو حتى تشتغل. فالعدلان يكتفيان بتضمين تَصْرِيحِكَ حول العمل، واخْتَر أنت منه ما يغري زوجتك بِكَ حتى إذا ظهر الشقاق افتُضحَ الأمر!! 

 ونَسِيَت الجهة المتأسفة أنها عندما اختلقت مؤسسة الشقاق قَصَمَت ظهر البعير، وامتلأت أقسام القضاء الأسري عَنْ آخرها بالراغبات في فكِ العزلة والحِصَارِ، يُردنّ حياةً أخرى، سئمن من شظَفِ العيش، فلم يعد للقناعة والصبر واليمن والكفاف، الذي ربَانا عليه أباؤنا، محل في وقتنا الحالي!!

 شجع التشريع اليدوي الطلاق من جهة، وظن أنّه بإحداث صندوق التكافل الاجتماعي سوف يعيد البناء، والواقع خلاف الحال، الطلاق الصوري أضحى سبيلاً للاستفادة من تعويض هزيل: يضع المُطَلِّقُونَ يدهم في يد بعضهم وَيُيَمِّمُونَ شَطْرَ صندوق فارغ، والنص القَانُونِي يقول بِعَوْدَةِ الصندوق الصارف على الزوج المهمل لأسرته، وَهُوَ بنفسه من يجمع الوثائق للحصول على المال!!

قوانين الأسرة مهما كانت دقيقة وشاملة لا تقوى على رأب الصدع القائم بين مُكَوِّنَاتِ الأسرة، فمعظم فصول مدونة الأسرة الحالية بها قصور وسوء تطبيق، والإقبال عليها من لدن الأزواج يسعى إلى التنكيل ببعضهم البعض، وليس إلى لَمِّ الشمل ونعل الشيطان، خذ الإحصائيات الصحيحة من موطنها الأصلي، لتجد سنام الشقاق مرتفعا جداً، وَقَارِنْ بين هذه الأعداد الهائلة من الملفات والأحكام القضائية ومثيلاتها في زَمَنِ الثمانينيات، حيث كانت هناك غرفة للأحوال الشخصية بالمحكمة الابتدائية بها عدد يسير من القضايا، وقاضٍ أو قاضيانِ على الأكثر على منصة الحكم. ونجح قضاة التوثيق في إصلاح ذات البين، وأحياناً يطيل المنازعة ولسان حَالِهِمْ يقول: سينتهي الزوجان إلى الصلح، وغالبا ما تصدق النّبُوءَةِ!!

حالياً، اختلط الحابل بالنابل، وأصبحت لدينا كائنات أسرية تسكن بأقسام القضاء الأسري، وتُتْقِنُ لغة الشقاق، تقول إحداهن لصاحبتها: لا تذكري سبباً محدداً للطلاق. الشقاق بِلاَ 

أسباب، وبِلا منطق، وإذا ما حرمك القاضي من وَاجِبُ المتعة، اطلبي التعويض، واذكري أمام القاضي ما لا يجب ذكره من بابِ إحراج الزوج، وسيأتيك الفرجُ بإذن الله!!

أعيدوا النّظر في مدونة الأسرة، حتى يعود لمؤسسة الزواج قيمتها، ولا تتشرد الأسرة، ولا تفرغ الصناديق… عندما لا يعرف الزوج اسم زوجته، عندما تقول الزوجة أثناء خروج نعش زوجها من الدار: الآن فقط، أعرف أين هو ذَاهِب، عندما لا يبقى من الزواج سوى ورقة كأوراقِ الخريفِ، عِنْدمَا يقعُ كُلُ ذلك فَقُل عَلَى الأُسْرَة السَّلاَم!!

Fmjc.maroc@gmail.com

رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

شارك المقال