تحتمِل القمةُ الخليجيةُ الخامسة والثلاثون، الملتئمة مؤخرا في العاصمة القطرية الدوحة، أكثر من قراءة. فمن جهة، اختُصِرت أشغالُها في يوم واحد [9 دجنبر 2014]، كما جاءت مباشرة بعد عودة سفراء كل من المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين إلى قطر، وتزامنت مع ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد. ولأن سياق انعقاد القمة لم يكن طبيعيا، فقد تراوحت قراءة نتائجها بين من حَسِبَها حققت الحدّ الأدنى المطلوب، ومن اعتبرها انطلاقة جديدة في مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربي.
لاشك أن القمة الخليجية الأخيرة واجهت كل هذه الصعوبات، وربما وجد قادتُها أنفسهم أمام خيارات فاصلة في مسيرة عملهم المشترك، بسبب الظروف التي تعيشها المنطقة العربية منذ انطلاق حراك العام 2011، والآثار المتوقعة وغير المتوقعة، وهي كثيرة، الناجمة عنه، وأبرزها صيرورة دول خليجية أطرافا فعلية في ما تعرف بعض البلاد العربية تغييرات عميقة وخطيرة لم تشهد نظيرا لها في تاريخها الحديث. ثم إن الانخراط في مثل هذه التغييرات الإقليمية لا يمكن أن يستقيم دون كُلفة مادية وسياسية قد تُخلخل الانسجام الخليجي العام الذي وُلد مجلس التعاون أصلا من أجل تحقيقه. وفي مستوى ثالث، لا ننسى أن المنطقة الخليجية بدولها الست، ترتكز على قاعدة اجتماعية موسومة بقدر عال من التداخل بين مكوناتها القبلية والعائلية، وترتبط في ما بينها بروابط التماس الجغرافي، والتاريخ المشترك، وتطلعات مجتمعاتها لرؤية نفسها منصهرة في فضاء واحد، يسمح لها بالانسياب في ربوعه بحرية ودون قيود.
ومما يعزز صحة التشابك الموجود بين دول ومجتمعات الخليج العربي، حجم قوتها المالية، ومعدلات مبادلاتها البينية، ونصيبها من التجارة الخارجية، واستراتيجية المشاريع الاقتصادية التي ينتظر أبناء المنطقة من قادتهم المُضي قدماً في تحقيقها. فالكتلة الديمغرافية للدول الست تُقدر بسبعة وأربعين مليون نسمة، أما ناتجها القومي فيبلغ 1،6 تريليون دولار، وتجارة خارجية تقترب من 1،4 تريليون. في حين ارتفعت المبادلات البينية إلى 14 في المائة، وهي نسبة لا تبعد كثيرا عن معدلات التجمعات الإقليمية الناجحة دولي (…)
لم تكن المشاريع الاقتصادية المشتركة موضوع خلاف، فقد ظلت على الدوام مجال تشاور وتوافق بين الدول الخليجية الست، وحتى الجانب الأمني الذي كان في أصل ميلاد الاتحاد عام 1981 قلّما تباينت حوله مواقف الدول الأعضاء، وحدها التطورات النوعية التي شهدتها المنطقة العربية منذ العام 2011، شكّلت حدثا جديدا أرخى بظلاله على العلاقات السياسية الخليجية البينية، وكادت تعصف بها نحو المجهول. لذلك، ما يُسجل للقمة الخليجية الأخيرة كونُها أعادت إلى العمل الخليجي المشترك توافقه، وفتحت عيون أعضائه على خطورة تسلّلَ الشِّقاق إلى فضائهم الجماعي، وأقنعتهم بتحمل تباين وجهات النظر إن اقتضى الواقع ذلك، من أن يتفرقوا ويضعف عودُهم. لذلك، كان إجماعُهم واضحا حول محاربة الإرهاب المتنامي في المنطقة العربية، وتكاتفهم من أجل ضمان السلم والاستقرار في الدول التي ابتُليَت بوباء العنف، والفوضى، و»حرب الجميع ضد الجميع»، كما هو حال العراق وسوريا وأجزاء من اليمن وليبيا. والحدث البارز كون القمة خرجت من دائرة الاختلاف إلى ساحة الوضوح بخصوص الاعتراف بشرعية النظام الجديد في مصر، والالتزام بدعمه في ما أقدم عليه من سياسات وخطط منذ صيف 2013، والأمر نفسه ينسحب على الانتخابات الأخيرة في مملكة البحرين.
من الواضح أن القمة الخليجية الأخيرة [9 دجنبر 2014] أعادت رصّ صفّ الدول الأعضاء في مجلس التعاون، ونبهتهم على أن الاختلاف في النظر ممكن، لكن الإبقاء على التعاون والتضامن ضروري، وغير قابل للتفريط. فهل ستبقى روح القمة الأخيرة حيّة في الوعي والممارسة، وهل ستُترجم إلى سلوكيات واضحة في الإعلام، والسياسة الخارجية، والأمن والدفاع؟؟ أم أن الأمر يحتاج إلى ردح من الزمن قد لا تتحمله بعض دول الخليج، فيُفتح بابُ الاختلاف من جديد؟ وحده المستقبل قادر على الإجابة عن سؤال المقبل من الممارسات.