سأل سائل ماذا تعني بالتشريع اليدوي؟ وَلِمَ تستعرض الإخلالات ولا تقترح حلولا؟
لم أجد السؤال صعباً. فأمّا عن التشريع اليَدَوي فهو الحالة التي تعجز فيها آلَةُ التشريع عن التصدي للظاهرة المرضية عندما لا تلم جهة التنفيذ بمضامين قوانينها، وعدم الإلمام هذا، إمّا ناجم عن سوء الصياغة أو سوء التقدير أو الإفتتات على المبادئ القانونية الكبرى فتمتلئ الخزانة التشريعية عندنا بالنصوص الركيكة والحَالِمَة والغَرِيبَة!!
ولن تستغرب إن قلت لك إن معظم قَوانِيننا بها هذه الأعراض المرضية المزمنة، أَكَانَت قَانونا أسمى كالدستور أو أدنى كقانون القرب، وأيا كان الفرع الذي تنتمي إليه إداريا أو جنائيا أو شرعيا أو مدنيا أو قانونا قضائيا خاصا أو إجراءات جنائية. كل هذه القوانين اسْتَأْسَدَ فيها التشريع اليدوي فعجزت تمام العجز عن أداء رسالتها، ولعلك تُرِيدُ أَمْثِلَة عَنْ ذلك!!
في الدستور نصوص يعجز الجن عن تطبيقها، فأحرى أن يتولى شأن المبادرة البشر، وَيَأتِي على رأسها السُّؤَال التالي: كيف يمكننا عمليا أن ننطق بعدة لغات في آن واحد، وَنُصَرِّفَ أشغالنا الإدارية وعلاقاتنا بِبَعْضِنَا البعض ومع دول المعمور بهذه التركيبة التي جاء بها الدستور، ومازال المُعْطِي يعطي: في مشروع التنظيم القضائي يُنَبَّهُ القاضي إلى إيلاء الاهتمام باللُّغَاتِ الموازية، ولا أدري كيف سيحسم القاضي في هذا المعطى، وفي الدستور أيضا فُصُول ضَاحِكة ضحكة المُونَالِيزَا لم يفهمها أحد، وسَال فيها مِدَاد القلم وَلُعَاب اللسان!!
فِي مدونة الأسرة، حدث ولا حرج عن نماذج التشريع اليدوي، تنسل الأدواء من قيود حريرية لنصوص تريد أن تعالج ظاهرة ما، فَتَسْقُطُ في شراك ظَوَاهِرَ أكثرَ تعقيداً. فعندما أَشْفَقَ المشرع على السَّجِينَيْنِ في زواج أبدي فاشل فَشَرَّعَ الشقاق، فَقَدَ الابتكار معناه لسوء الفهم والتطبيق معاً، وَتَفَتَّقَ ذِهْنُ محكمة النقض على سد صنبور طلاق الشقاق بِحِرْمَان طالبته من واجب المتعة، وهو تشريع في مَابِهِ نص قرآني وَقَانوني، وحل غير سديد. فإن أردت نماذج التشريع اليدوي في قانون الأسرة، فيكفي أن أحيطك عِلْماً أنّ مَحَاكِم المَمْلَكَة بِرُمَتِهَا بَعَثَت غداة تطبيقها مئات العَوائِق والمشاكل، ولازال الفيض غزيراً!!
في كل فرع من فروع القانون نصوص ركيكة وحالمة وقاصرة:
لم ينجح الصّلح الزجري في قانون المسطرة الجنائية!!
لم تنجح جداول التعويض وظهير 2-10-84 المنصوص لحوادث السير، فأصبح الطبيب قاضيا يمكنه أن يُذَيِّل تقريره بالتعويض المادي والمعنوي!!
لم ينجح قضاء الحالة المدنية في وقف السيل الغزير لملفات تملأ رفوف المحاكم!!
ولم تضع قوانين الكراء حدا للمنازعات!!
واستفاق التشريع اليدوي على فكرة بعثرة المحاكم المتخصصة، وستضيع لا محالة اجتهادات هذه المحاكم سُدَى، ولا ندري كيف ستصبح الخريطة القضائية بهذه الخلطة العجيبة.
بعد هذا، يمكنني أن أقول إنّ التشريع اليدوي هو الذي يضيع فيه مداد الأقلام من طرف جهة تريد فقط الإسراع، لإيجاد الحل واحتساب المجهود العضلي لكونها تفتقر إلى الكفاءة المطلوبة وليس لها القدرة على الابتكار، ولا تاريخ لها في هذا الباب!! وينحصر دورها في فتح مدونات التقنينات المقارنة أو السفر المريح إلى البلدان الأوروبية والأمريكية والأسيوية لنقل تجاربها دُونَ مراعاة خصوصية هذا البلد!!
يبقى سؤالك لِي لِمَ تستعرض المشاكل ولا تقترح الحلول، فَأَذْكُرُ أَنَّ صحيفة أجرت معي حوارا حول مدونة الأسرة غداة دخولها حيز التطبيق، وفي اليوم الموالي رَنّ جرس الهاتف بِمَكْتَبِي وَسَمِعْتُ من الطرف الآخر السيد كاتب المحتسب الأعلى للقضاء يقول: إنّ وزير العدل استشاط غضبا، فمدونة الأسرة ذات خصوصية، والوزير حدد الأشخاص الذين لهم الحق في الحديث عنها، وأنت لا حق لك ولم تستأذنه!!
أسكت الوزير الأفواه، فتراكمت المشاكل والمصائب، ولم يسلم المنتقدون من الضرب تحت الحزام بما لا يخطر لك على بال، وبما لا يتسع له هذا المقال، يكفي أن تعرف أن كل فرع من فروع القانون الآنفة الذكر أعددت فيها مشاريع قوانين منذ عقود، ولازالت وهي بصيغة الحال ليست تشريعا يدويا!
Fmjc.maroc@gmail.com
رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين