إلى الأستاذ الفاضل مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات:
سيأتي علينا حينٌ مِنَ الوقت نجد المغضوبَ عليهم من صنف القضاة ـ خِلاَلَ ولايتكم ـ هُمْ من حملة الأقلام وذوي الرأي. فقد تكاثفت عدة عوامل دفعت في هذا الاتجاه. أولها، أن حزبك الذي نال ثقة الناخبين مشبع بالخصال الحميدة ويخشى الله. وثانيهما، أن سِجِلك قَبْلَ الوِزَارَةِ، حافل بالنضال إلى جانب زملائك المدافعين عن الحق. وثالثهما، أن الربيع العربي، الذي أيْنَعَت أوراقه في دستور المملكة، زرع الأمل في أفئدة القضاة وعقولهم. كل هذه العوامل ومنها من لم نذكره، اعْتَقَد بها رجال القضاء أن بوسعهم أن يُطْلعوك عَمَّا يحسون به، وأن يجدوا لذلك الأذن الصاغية والقلب الحَاني والعقل المستنير والتَّروي المُسْتَحب !!
ولو أنك أمعنت معي النظر في هؤلاء القضاة الذين ظنُّوا السراب ماء زلالا، لوجدت منهم من يحلم بنظام قضائي متطور، يعكس ازدواجية القضاء والقانون، ويدافع عن العاطلين من أبناء وطنه، ومنهم من توجس خيفة من نقله من عمله بدون وجه حق كما يعتقد، ومنهم من أشار بالمثال إلى عدم كفاية مكاتب القضاة للقيام بالمهام، ومنهم من دق جرس الإنذار لسوء حال مرفق قضائي يشتغل به، ومنهم الصَّرِيح الشجاع الجريء، وليس من بينهم مُرتش ولا متهافت ولا وصولي ولا منافق ولا مُتربّح، فمثل هؤلاء، لا يزعجون، ولا يشتكون تاركين الحبل على الغارب، وإلى جانبهم قضاة لا لهم في الطور ولا في الطحين !!
الأستاذ الفاضل:
كان القاضي قبل ميلاد الدستور الجديد، وقبل الربيع العربي، يخشى على نفسه وأفراد عائلته من الضياع إذا هُو فَاه بكلمة انتقاد، ويعتبر بمن نال العقاب، ثم انتفض بعد ذلك في شكل جمعيات مهنية قُصَّ جناحها منذ البداية وحتى كتابة هذه السطور، وشيء لها أن تُلمِّعَ صورة المشهد القضائي ليس إلا. ومع كل هذا الإجهاز المُنَظَّم على الصوت النّقي، وصلتك السيد الوزير أنَّات القضاة وأوجاعهم وأسفهم، إلا أنهم فوجِئوا برياح السموم تتربع مكان الرياح الصبا، وأن أوجه الاختلاف بين عهود مظلمة وهذا العهد بدأت تتقاطع وتتداخل وتتَّحِدُ، وهم في حيرة وارتباك وانزعاج. ماذا حصل !!
لن أخفيك سِرّا إذا قلت لك إنّ في جعبة القضاة أكثر مما يُسَجَّل خفية أو يعلن جهاراً. يقول لي القضاة، إن وضعت قدما في قاعة ندوة أو محاضرة: «لم لا تكتب عنا، فنحن نخشى المصير». فهم يقولون مثلا:
«إن تكافؤ الفرص ـ من وجهة نظرهم ـ في العمل بمحكمة النقض، وكذلك في تولي مناصب المسؤولة، وفي توزيع الأشغال داخل المحكمة، في طريقة تصرف المسؤولين معهم، في ضيق ذات اليد للبعض منهم، في محاباة البعض دون البعض الآخر». كل هذا يشكل خطرا عليهم ويضيفون، أيضا، أن معيار العمل الجاد والمواظبة والتمرس بالممارسة القضائية، هو السبيل الوحيد لا غير للاهتمام بالقاضي. وهم يقلقون لما يرون عكس ذلك، ويزداد قلقهم عندما يخشون على أنفسهم، فيصبح الضرر أضْرَاراً !!
الأستاذ الفاضل:
قد لا يجيد القاضي التعبير عن موقفه كما يفعل النقابيون، الذين تمرسوا على الاحتجاج، قد يخطئ أو يبالغ في التعبير، كل هذا وارد، فهذا المكتسب الذي جاء به الدستور، استغل بشكل صارخ منذ مدة.
يذكر التاريخ القريب جدّا، أن قرارين فريدين خَفِيفَين على اللسان، ثقيلين في الميزان، نزلا مثل الرحيق على أفئدة القضاة، ورفعا عنهما العبء والعَنَتَ ودخل بهما وزير العدل المصدر لهما سجل الخالدين نَاصرا مُنْتَصِرا !!
ولن يَقّل حظك أنت عن هذا الشرف، لأنك مِن معِدن نَفِيس وتَخْشَى الله وبِيَدِكَ القَانون.
الأستاذ الفاضل:
في تراثنا الخالد حكاية ذلك المظلوم الذي اشتكى من سوء طباع زوجته إلى الخليفة، فلما مثلث أمامه، افتُتِنَ بجمالها أيما افتتان، فطرد المشتكي، وطلق منه الحسناء وتزوجها فبكى قائلا:
طرقت باب الوزير أشتكي زوجتي
لأستجيرَ مِنَ الرَّمْضَاءِ بالنَّارِ
أنا أعرف جيدا أنك لست كذلك، بالفِعْلِ لا بالنَّظر، وفي الوقت ذاته أجدني أميل إلى ما تغنت به سيدة الطرب العربي أم كلثوم:
ومَا أَنَا بالمُصدِّقِ فيكَ قولاً
ولكنِنِّي شَقِيتُ بِحُسْنِ ظَنِّي
رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين
Fmjc.maroc@gmail.com