أسلحتنا وأسلحتهم

16 يناير 2015 - 22:37

كشفت المسيرة الضخمة، التي غطت المنطقة الممتدة ما بين «ساحة الجمهورية» و«ساحة الأمة» بباريس، الأحد الماضي، بما يزيد عن 1.5 مليون شخص، أمرين لا رابط بينهما مبدئيا.

 الأمر الأول، يتمثل في نزول المجتمع الفرنسي برمته ليقول لا للقتل والإرهاب بصوت واحد، رغم أنه من أكثر المجتمعات الأوروبية انقساما ومحبة للجدل. إذ من النادر جدا أن يجمع الفرنسيون على موقف واحد من قضية ما، فهم يختلفون على كل شيء وأي شيء.

أما الأمر الثاني، وهو الذي يهمني هنا، فيتجلى في كون عدد كبير من قادة العالم، من بينهم الكثير من المسؤولين السامين العرب والمسلمين، شاركوا في تلك المسيرة، التي حوّلت باريس ليوم واحد إلى عاصمة عالمية للتنديد بالإرهاب، وشجب تصفية الاختلافات بالسلاح، بدل مقارعة الحجة بالحجة، واستنكار سفك دماء الآخر بدل محاولة إقناعه بضرورة وقف الاستفزاز. كما نظمت المسيرات في عدد من العواصم الأخرى، إذ هبّ المسؤولون السامون في البلاد العربية والإسلامية وغيرها على سفارات وقنصليات فرنسا للتعبير عن التضامن. وقد ذكرني هذا بما جرى بعد هجمات 11 شتنبر في نيويورك وواشنطن من تعبئة مماثلة، كانت قد أثارت اندهاشي شخصيا.

لا شك أن هذا الإقبال الكبير على العاصمة الفرنسية، من طرف قادة ومسؤولي العالم لتقديم التعازي في ضحايا مذبحة «شارلي إيبدو»، ومتجر شرق باريس، يبعث على التساؤل عن سر هذا «الإحساس بضرورة التضامن الكثيف» مع الشعب الفرنسي، وهو أمر مشروع ومرغوب، خاصة بعد أن خطفت منه يد الإرهاب 17 فردا، بينما يسقط العشرات والمئات، بسبب  هذا الإرهاب نفسه (سواء أكان من القاعدة أو داعش أو الاحتلال الإسرائيلي) في مناطق أخرى في العالم، من باكستان إلى نيجيريا، مرورا بغزة وسوريا والعراق، ولا يخف أحد، بهذه الكثافة المثيرة، للتضامن معهم ومع ذويهم، بل يكتفي الجميع بأضعف الإيمان (مسيرات محلية.. وبعض رسائل التضامن والشجب على الشبكات الاجتماعية).

إنه وضع يبعث فعلا على الانزعاج، ويدفع الكثيرين إلى الإحساس بأن الدماء التي تسري في عروق الفرنسيين والأوروبيين والأمريكيين، ليست هي نفسها التي تسري في عروق الشعوب الأخرى من عرب وهنود وأفارقة وغيرهم، رغم أن لها اللون الأحمر ذاته.

إنه، لا شك، أمر مؤلم، ولكن هذه هي «الحقيقة الجيولوجية» للعلاقات بين الأمم، حيث يفرض القوي على الضعيف الجهر والصدح بالتضامن معه حين يصيبه أدنى مكروه. ويقبل الضعيف بأدنى درجات هذا التضامن من القوي حتى ولو حلت به الكوارث.

وهذه البلدان القوية تستمد قوتها الخشنة، (العسكرية والسياسية وغيرها)، والناعمة (الإعلامية والثقافية)، أساسا من أفرادها الذين يتمتعون بكامل فردانيتهم التي خولت لهم بناء مجتمعات ديمقراطية قادرة على الدفاع الشرس عن هؤلاء الأفراد، وعن حقهم في الأمن، والتعبير، وخصوصا حقهم في الحياة.. وقادرة على فرض روايتها على صفحة التاريخ، بغض النظر عما يمكن أن يشوب هذه الرواية من ارتباكات، بل وحتى أخطاء.

إن الأمم القوية تعطي أبعادا كونية لكل ما يحل بها من خير وشر، أما الضعيفة – مثل حالة المسلمين والعرب وغيرهم من الشعوب التي تسير في آخر الركب في عصرنا الحالي- فلا تقوى حتى على فرض احترام مقدساتها على الآخر، لأن الكائنات التي تعيش فيها مازالت ذائبة في الجماعة ولم ترتق بعد إلى مرتبة الفرد القادر على الدفاع عن تلك المقدسات بذكاء وبأسلحة الحاضر الناعمة، التي تتمتع بدرجة عالية من الفعالية (إعلام قوي، منتوجات ثقافية مقنعة)، وليس بسفك الدماء وقطع الرقاب التي تتحول إلى سلاح رمزي في يد الآخر يستعمل ضدها وقت ما شاء.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.