صراع الإخوة

19 يناير 2015 - 22:44

المقصود بـ «الإخوة» في هذا العمود: الإخوة الليبيون، الذين وَحَّدَهم حراكُ السابع عشر من فبراير2011، وقسَّمتهم صراعات ما بعد سقوط النظام. فبقدر ما أيقظ الحراك في نفوسهم التوق إلى الحرية والتخلص من عقود الشمولية، بالقدر نفسه أماط اللثام عن المكشوف، وأبان عن صعوبةَ إعادة بناء مجتمع فَقدَ كل مقومات الحس السياسي والمدني الجماعي اللازم للعيش المشترك. ولأن بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة، يستلزم منطلقات ومقومات جديدة، فقد عزَّ على الليبيين توفير مناخ التوافق الضروري لقيادة مرحلة ما بعد سقوط النظام.

 من المؤكد أن سياق الحراك في ليبيا مختلف عن سياقات غيره من البلاد العربية. فمن جهة، تمكن النظام القديم طيلة أكثر من أربعة عقود من «تنميط» الحياة السياسية والاجتماعية في ليبيا، حيث أعاد، بالقوة، صياغة ثقافة المجتمع على منوال ما حمل قادتُه من تصورات مبشرة ببناء مجتمع جديد ما بعد الفاتح من شتنبر 1969. ولعل الأعمق خطورة في كل ما حصل، يكمن في تدمير كل ما يربط بين الدولة والمجتمع من وسائط، بل وتحويل الدولة ذاتها إلى مجرد مجموعة محدودة من الأشخاص تحتكر السلطة والثروة في الآن معا. أما المجتمع، فقد تم تَعليبُ وعيه ليغدو قابلا للصورة التي بشر بها فرسان الفاتح من شتنبر. لذلك كله، كان بديهيا أن تجد ليبيا نفسها أمام فراغ قاتل من حيث مؤسسة الدولة والمؤسسات المعززة لها، ومن حيث الممارسات الفُضلى في تدبير الشأن العام. وقد فُتح الباب، من جهة أخرى، أمام تدفق السلاح على عموم التراب الوطني، وتكاثر الميليشيات وتناسلها، وسيادة العنف وعودة القبلية.

 ففي الحقيقة يحمل الوضع الراهن في ليبيا، الكثير من السمات التي ميّزت أفغانستان في أعقاب سقوط حكم الشيوعية وظهور حركة طالبان: بلد تتنازعه شرعيتان سياسيتان، وتتصارع في أراضيه أكثر من مجموعة عسكرية، وتغيب في ربوعه مؤسسات الدولة والجيش والأمن. والأخطر يسود فيه السطو على الأموال العامة وأرزاق الناس، ويتقوى فيه الإثراء بغير حق. وحتى على فرض أن السياق الأفغاني مختلف عما يجري في ليبيا، فإن المحصلة في النهاية شبه واحدة: تحويل البلاد إلى بقعة جغرافية فاشلة، تعيش بالاقتتال  ومن أجله.

  لاشك أن ثمة وعيا متزايدا بخطورة ما يجري على الساحة الليبية، وأن هناك إحساسا بتدارك الوقت قبل فوات الأوان..لكن، ما السبيل إلى تجنب إعادة التجربة الدموية الفاشلة في أفغانستان على التراب الليبي؟ وهل ثمة إرادة وطنية ليبية، وتصميم دولي لإعادة وضع البلاد على السكة السليمة؟ لا شيء يؤشر على وجود ما يقنع حقا بالإجابة إيجابيا، كل ما هناك أن ثمة مساعي إقليمية ودولية لإقناع الفرقاء الليبيين بأهمية التفاوض من أجل الوصول إلى أرضية مشتركة في ضوء ما آلت إليه الأوضاع المتدهورة باضطراد. وبقراءة متأنية لنتائج مفاوضات جنيف الأخيرة [14 ـ 15 يناير 2015]،  يمكن القول إن الاتفاق حاصل حول «تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية، والترتيبات الأمنية اللازمة لإنهاء القتال، وتأمين الانسحاب المرحلي للمجموعات المسلحة من كافة المدن الليبية، والسماح للدولة ببسط سيطرتها على المرافق الحيوية في البلاد».

 لم تحظ مفاوضات جنيف بحضور جميع الإخوة المتصارعين، فقد تغيب بعضهم بتصميم وإرادة، وتردد آخرون، غير أن الرهان معقود على التئام الجميع في الجولة الثانية من مفاوضات الأسبوع المقبل. وإذا ثبت وتحقق هذا المسعى، فسيكون دون شك، خطوة إيجابية على طريق تجنيب ليبيا مسار أفغانستان، وفتح أفق ممكن وسالك نحو المصالحة الوطنية، الشرط الواقف لإعادة بناء ليبيا الجديدة.. ليبيا القوية بخيراتها البشرية والطبيعية.. وخلافا لهذا، لن تكون ليبيا أمام فرصتها الأخيرة لتحقيق السلام، كما حذر من ذلك مندوب الأمم المتحدة، بل ستدخل ليبيا نفقا لا أحد يقدر على استشراف نتائجه على وجه اليقين.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.