وزير خارجية أمير المؤمنين!

19/01/2015 - 22:45
وزير خارجية  أمير المؤمنين!

 [لا يمكن لوزير خارجية أمير المؤمنين أن يشارك في مسيرة رُفعت فيها عبارات ورسوم مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم]، بهذه الجملة الصغيرة والنافذة، يحسم الناطق الرسمي باسم الحكومة، في ندوته الخميس الماضي، موضوع الموقف المغربي من مسيرة الأحد 11 يناير بباريس، المنظمة تضامناً مع ضحايا الجريمة الإرهابية التي استهدفت الصحيفة الساخرة [شارلي إيبدو].

كثيرون كانوا قد عبروا عن مواقف مختلفة مع ما ذهب إليه وزير الخارجية المغربي، عندما اكتفى بتقديم التعازي للرئيس الفرنسي، وامتنع عن الحضور في المسيرة المذكورة، بمبرر أن صورا مسيئة للنبي الكريم (ص) ستُرفع خلال فعالياتها.

من ذلك، مثلا، ما قرأناه لمدير هذه الجريدة (أخبار اليوم)، توفيق بوعشرين، في افتتاحية عدد الأربعاء المنصرم، عندما عبر عن وجهة نظر تعتبر أنه كان من المهم أن يضمن المغرب حضورا أقوى في تلك المسيرة، أو لمدير تحرير (الاتحاد الاشتراكي)، عبد الحميد جماهيري، في عموده ليوم الثلاثاء الماضي، عندما اعتبر أن المبرر الذي قُدم بخصوص الانسحاب يثير فعلا غير قليل من الدهشة، حتى لا نقول الذهول، أو ما خطه في جداره بالفايسبوك علي بوعبيد، الذي اعتبر أن المغرب أخطأ موعده بباريس عندما انسحب من المسيرة المليونية.

لا شك اليوم، أن الأصدقاء الثلاثة محظوظون، فقد عبروا عن آرائهم قبل تصريح السيد وزير الاتصال مصطفى الخلفي. أما الآن، فيبدو أن الحكومة تدعونا إلى تجريب «أسلحة ثقيلة» حتى نقفل الموضوع.

فالحكاية لم تعد مجرد قضية تقدير موقف للسياسة الخارجية، مبني على محددات هذه السياسة وإكراهاتها ومُستجداتها، وقائم على قراءة «وضعية» للعلاقات المغربية الفرنسية، وللساحة الدولية وضمنها مسألة الإرهاب، بل تحولت ضمن ما نسبه وزير الاتصال لرئيس الحكومة، وهو يتحدث عن الموضوع في مستهل المجلس الحكومي، إلى ما يُشبه قضية دينية لها علاقة بإمارة المؤمنين وبطبيعة الدولة المغربية «الشريفة».

الواقع أن هذه القراءة الدينية لموقف المغرب من مسيرة باريس، شطط واضح في تأويل الوقائع والأحداث، ينتقل فيه الموقف من سياقه السياسي إلى سياق ديني، وينتقل معه الفاعلون من خانة وزير الخارجية في نظام لديه حكومة وبرلمان ورئيس للدولة، إلى سجل مغاير؛ حيث الدولة المغربية الشريفة، إمارة المؤمنين، ووزير خارجية أمير المؤمنين.

لقد مر المغرب من مرحلة استعملت فيها السلطوية حقل إمارة المؤمنين، إما لشرعنة التفوق السياسي للدولة عن باقي الفاعلين، مما يسمح مثلا بتكييف المعارضة كخوارج عن الجماعة الدينية، أو لشرعنة تفوقها المؤسساتي عبر الحلول محل البرلمان في وظيفة التشريع، أو حتى للتموقع فوق الدستور وسلطه.

ولذلك، حاول دستور 2011 تطويق ظاهرة الفصل 19 في الدساتير السابقة، عن طريق الفصل الواضح بين الصلاحيات الدينية لأمير المؤمنين، من جهة، وبين المهام السيادية والضمانية والتحكيمية ذات الطبيعة السياسية لرئيس الدولة من جهة ثانية، وهو التمييز الذي اعتبره الباحثون تغييرا معياريا نوعيا على مستوى البناء الدستوري، يسمح بالاعتراف بوجود فضائين، الأول سياسي، والثاني ديني، لكل منهما فاعلوه وقواعده.

لذلك، فإن استحضار الخطاب الحكومي لمؤسسة إمارة المؤمنين، في محاولة لإضافة حجج زائدة لتبرير الموقف المغربي من مسيرة باريس، لم يكن موفّقا ولا ضروريا، اللهم ما كان في الأمر من اكتشافنا الجديد المتمثل في توفر نظامنا السياسي على وظيفة لم نكن نعرف بوجودها من قَبل تتمثل في «وزير خارجية أمير المؤمنين»!

شارك المقال