العلاج العميق

30/01/2015 - 21:59
العلاج العميق

لما ورد علينا، أمس، بهيئة التحرير خبر قيام الحكومة بجر مراد عابد، المدير السابق لوكالة الشراكة من أجل التنمية، التي تشرف على تدبير مساعدات حساب الألفية الأمريكي، إلى القضاء بتهم تتعلق بذمته المالية، طفا في ذهني خبر آخر مفاده أن إدارة ميناء طنجة المتوسطي قررت اعتماد ملابس بدون جيوب لأعوان ومستخدمي الميناء. وتساءلت مع نفسي لو كان هذا المسؤول يرتدي ملابس بدون جيوب، هل كان ذلك سيجنبه السقوط في مستنقع المحاكمة بتهم ثقيلة؟ قطعا لا. لأن الرجل، وهو يظل على كل حال بريئا وإن دخل دائرة الشبهات، جرت إحالته على القضاء بناء على سند يصعب، بالنسبة إلى المسؤولين المغاربة، دحضه، ويتمثل في تقرير من أمريكا، التي تشرف على حساب الألفية، يشير إلى اختلالات في الذمة المالية لهذا المسؤول السابق.

لا شك أن قرار المسؤولين عن ميناء طنجة باعتماد تلك الملابس، قد يكون مثيرا للانتباه والاستغراب وحتى السخرية، ويستحق عن جدارة احتلال مكانة بارزة على صفحات «الأخبار المنوعة» في الصحف والمواقع. وإذا كان مثل هذا القرار لن يجدي قطعا في التصدي لداء الرشوة، فإنه يعكس قلة الحيلة أمام هذا الفيروس الذي لا يكف عن التناسل. وللتخفيف من وخزات قلة الحيلة هذه، يتم اللجوء إلى اتخاذ إجراءات تكتفي بعلاج الأثر وليس العلة.. إجراءات تروم قطع الغصن العليل وليس الجذر المريض.

فالرشوة ليست فقط، خدشا سطحيا يمكن محوه بإلغاء الجيوب من ملابس أعوان بسطاء، بل هي ظاهرة معقدة جدا ومرتبطة بالأذهان، ومنغرسة في ثقافة مازالت تصر على تغييب مفهوم الفرد بشكل كامل وذوبانه في الجماعة.

فمن فرط هيمنة هذه الجماعة، يحس الكائن المغربي في عمقه أن عليه أداء مقابلا لانتمائه إليها، ويعتبر ما يدفعه من رشاوى، مهما كانت صغيرة، مجرد تقرب من هذه الجماعة التي يحس بثقلها، والممثلة في من يملكون سلطة ما مهما كانت ضئيلة. أما الكائن المرتشي، فيعتبر أنه منتدب لأخذ هذا المقابل، فهو يد الجماعة التي تأوي هؤلاء الكائنات ولها عليهم دفع مقابل لذلك.

وإذا كان الكائن المغربي لا يأبه كثيرا بالقوانين البسيطة التي وضعت مبدئيا لتسهيل تدبير الحياة الجماعية، فلأنه لا يحس بتاتا أن هذا التشريع ينتمي إليه أو نابع منه كفرد، لذلك لا يرى نفسه ملزما باحترامه، ولا يرى ضيرا في الالتفاف عليه وإن كان ذلك بمقابل.

لا شك أن الرشوة تستلزم إجراءات عقابية صارمة للتصدي لمظاهرها، ولكن جذورها تحتاج إلى علاج عميق يرفع الكائن المغربي إلى مرتبة الفرد الكامل في فردانيته، القادر على الحفاظ على حقوقه والالتزام بواجباته الأخلاقية والقانونية.

شارك المقال