المرأة الحديدية

31 يناير 2015 - 16:00

امرأة شجاعة لا يعرف لسانها طريقا إلى لغة الخشب.. امرأة تقول ما تفكر فيه دون حسابات معقدة.. امرأة لم تأكل السلطة من أفكارها ونزاهتها وشعبيتها شيئا… إنها كريستينا فرنانديز، رئيسة الأرجنتين التي تثير تصريحاتها وقراراتها دويا إعلاميا وسياسيا داخل بلادها وخارجها. قبل أشهر فجرت قنبلة في الأمم المتحدة وهي تتحدث عن الاحتلال الإسرائيلي، وأنه سبب جل المشاكل في الشرق الأوسط. اليوم تطلق النار على جهاز مخابرات بلادها، وفي سابقة من نوعها وقعت كريستينا على قرار حل جهاز المخابرات الأرجنتيني الحالي، وإعادة تشكيل واحد جديد شفاف ونزيه ويخدم المصالح العليا للبلاد، ولا يتدخل في السياسة ولا في القرار، ويخضع لرقابة الحكومة والبرلمان وسلطة القضاء.

ما هي قصة هذا القرار الفريد من نوعه؟

 أعلنت رئيسة الأرجنتين، كريستينا فرنانديز، يوم الاثنين الماضي، اعتزامها حل وكالة المخابرات الأرجنتينية وسط شكوك في أن ضباطا فاسدين بالوكالة كانوا وراء وفاة غامضة لعضو في النيابة العامة كان يحقق في تفجير مركز يهودي في بوينس أيرس عام 1994.

وفي أول كلمة لفرنانديز عبر التلفزيون منذ العثور على ألبرتو نسمان مقتولا برصاصة واحدة في الرأس، قالت رئيسة الأرجنتين إنها سترسل إلى الكونغرس (البرلمان) مشروع قانون لحل الجهاز السري القائم، وإعادة تشكيل جهاز أمني جديد سيكون أكثر شفافية ونزاهة وخاضعا لمراقبة الحكومة والقضاء.

كانت وفاة نسمان في 18 يناير الماضي بمثابة صدمة للرأي العام الأرجنتيني، فقد قتل قبل أن يمثل أمام الكونغرس بأيام ليجيب عن أسئلة تتعلق باتهامه رئيسة الدولة بالتآمر مع إيران لتعطيل سير التحقيق في الهجوم الذي جرى سنة 1994 على كنيس يهودي واتهمت إيران وحزب الله بالوقوف وراءه، وأن الرئيسة تريد النفط مقابل إقفال الملف.

 حكومة الأرجنتين ردت بقوة على هذا الاتهام، ووصفته بأنه سخيف وغير حقيقي، وأن الرئيسة بالعكس حريصة على معرفة الحقيقة كما هي دون توجيه للتحقيق، ودون التسرع في اتهام أحد لفائدة جهات خارجية. عندما عثر على نسمان مقتولاً برصاصة في الرأس قالت الحكومة إن القاضي غرر به لاتهام الرئيسة بهذه المزاعم، وذلك لمنعها من الاقتراب من هذا الملف الحساس، وحتى لا تظهر حقائق جديدة قد تعصف بالرواية الأولى، وإن الأجهزة السرية اغتالت النائب العام عندما لم يعد مفيدا لأولئك الذين دبروا المؤامرة وحتى لا يمثل أمام القضاء.

وأضافت الحكومة أن الفضيحة مرتبطة بصراع على النفوذ داخل جهاز المخابرات بين ضباط أقيلوا في الآونة الأخيرة وآخرين مازالوا يخدمون أجندات خاصة.

وقالت فرنانديز إن مشروع القانون سيرسل إلى الكونغرس قبل رحلتها إلى الصين مطلع هذا الأسبوع، وإن المشرعين سيعقدون جلسات استثنائية أثناء عطلة فبراير لمناقشة مشروع القانون.

وأضافت: «نحن بحاجة إلى أن نجعل أجهزة المخابرات أكثر شفافية لأنها لم تخدم مصالح البلاد في السابق، بل كانت تخدم مصالح أشخاص ولوبيات ودول».

هذه هي القصة التي لم تنتهِ بعد، وهناك عشرات القصص الأخرى عن خروج أجهزة المخابرات عن سيطرة الحكومات والبرلمانات والقضاء والقانون في الدول المتخلفة والمتقدمة، الفرق أن الدول الديمقراطية تصحح الاختلالات، وبين فترة وأخرى تفتح الملفات، كما جرى أخيرا في أمريكا حيث شكل الديمقراطيون لجنة من الكونغرس وجهت اتهامات من 600 صفحة إلى وكالة المخابرات الأمريكية، التي استعملت 20 نوعا من التعذيب المحظور لانتزاع اعترافات من متهمين بالوقوف خلف الإرهاب عقب أحداث 11 شتنبر، لكن الدول المتخلفة لا تقدر على فتح الحساب أمام الأجهزة السرية حتى عندما تظهر تجاوزاتها وخروقاتها، وحتى جرائمها، إلى العلن لأن السياسيين يخشون هذه الأجهزة التي تملك الأسرار الخاصة والعامة والنفوذ والإعلام والمال والارتباطات في كل أجهزة الدولة، لهذا يتعايشون معها، ويغضون الطرف عن تجاوزاتها، ولا يعمدون إلى تقييد عملها بالقانون…

المخابرات أجهزة أمنية حساسة موجودة لحماية المواطنين والقانون والشرعية، وهي ممولة من جيوب دافعي الضرائب وفي خدمة من ينتخبهم الشعب، ولأن عملها سري وميزانيتها سرية، فإنها تتمدد إلى مجالات ليست من اختصاصها، تغريها السلطة الموجودة بين يديها، والإمكانات التي تحصل عليها، والخوف الذي يوجد لدى المسؤولين من الأخطار المحيطة بهم، وغياب المراقبة على عملها، فتتحول المخابرات من أجهزة أمنية إلى أجهزة سياسية، وتصبح المعلومات الموجودة بين يديها أدوات للتحكم والتضليل والتلاعب بالعقول وفبركة الملفات، عوض أن تكون وسائل لحماية الأمن العام والمصلحة الوطنية… لهذا فكرت كريستينا في أن أقصر الطرق لإصلاح مخابرات بلدها، التي تشكلت منذ عقود على معاداة الشعب والديمقراطية ودولة القانون، هو حلها، وإعادة بناء أخرى جديدة على أسس جديدة وعقيدة سليمة…

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ibrahimovitch منذ 7 سنوات

فعلا اجهزة المخابرات يجب ان تكون في خدمة الوطن وليس لخدمة اجندات خارجية ويجب ان تخضع لسلطة الدولة

اعمارينو منذ 7 سنوات

متى يتعلم الناس في البلاد المتخلفة سياسيا من هذه المراة ، ومتى يتعلم من يدعي اليسار في بلاد المسلمين ان اليسار ليس معاداة ادين بل الدفاع عن حقوقو الشعب وحريته. ترى هل في المغرب امراة سيارية من هذه الطينة، ؟ لا اسال عن الرجال اليساريين ، فقد انقرضوا ، ومن بقي منهم انتقل الى نادي اصحاب المصالح والترزق باي وجه كان ولو كان عبر التحالف مع الفساد

صحفي متدرب منذ 7 سنوات

تنفيذا لمطالب الشعوب ومن أجل الاستمرارية والتعايش مع المستجدات ,تضطر الدول بين الفينة والأخرى لتغيير دساتيرها التي تعتبر أسمى قانون في البلدان,وتجدد وتنقح قوانينها,كما أنها تلجأ أحيانا لحل برلماناتها وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية سابقة لأوانها وتختفي حكومات وتصعد أخرى , وتظهر وجوه سياسية جديدة وتتوارى أخــرى. إذا كانت عملية تغيير السياسات والوجوه تعتبر من الحتميات والضروريات ,فلماذا لا تخضع له أجهزة الأمن والمخابرات ,وما قامت به رئيسة الارجنتين تعتبر خطوة تصحيحية لتنقية جهاز مخابرات بلدها من الذين اشتمت فيهم رائحة الفساد والاستبداد والظلم