دماء الامتياز

13/02/2015 - 21:45

لا أخفي أنني استحسنت البيان الصادر عن وزارتي الداخلية، والعدل والحريات حول ما يُسمّى بـ»بطائق الشرفاء»، والذي اعتبر ضمنيا استعمالها «عملا غير مشروع». كما توعدت الوزارتان تقديم كل من ضبط متورطا فيه إلى العدالة. 

أجل استحسنت الأمر وإن كنت أدرك جيدا أن الكثير من القرارات في بلادي، خاصة تلك التي تبدو متقدمة، لا تتحرر من المداد الذي كُتبت به إلا نادرا.

فتلك البطائق تحمل الألوان المغربية وتعابير ملغومة وخطيرة من قبيل: «يجب احترام صاحب هذه البطاقة» أو «يجب توقير حامل هذه البطاقة»، وهذا يكرّس تمييزا وتراتبية بين المغاربة، ليس بناءً على الكفاءة والاستحقاق، وإنما بناء على رابط دموي ديني هُلامي يصل من يزعمون ذلك بأسرة النبي وقبيلته بشكل أول بآخر، ففي أعلى الهرم هناك «الشرفاء» الذين تخول لهم دماؤهم  «السلطة» وكذلك «امتيازات» لا يعلم أحد حدودها، وهناك بعيدا في السفح كل الكائنات المغربية الأخرى، التي عليها بذل جهود مضنية للحصول على أبسط الحقوق رغم أن دماءها لها اللون الأحمر ذاته.

والواقع أن كل القوى التي سعت إلى السلطة بالمغرب عبر تاريخه منذ الفتح الإسلامي، كانت تعتمد، دائما، على خلق رابط دم بالنبي أو بالمقربين منه لتقوية عضدها. فكل الدول التي استطاعت أن تحكم سلطتها في المغرب لعقود ربطت نفسها بشكل أو بآخر بالشجرة النبوية أو الصحابة. في المقابل كنت آمل أن يخف هذا الارتباط مع ظهور المؤسسات العصرية لتدبير شؤون الدولة.

إن استمرار وجود فئة من المغاربة، الذين يوصفون بالشرفاء، وتكتلهم في تنظيمات معترف بها من طرف السلطات لأن تخضع لقانون الجمعيات لسنة 1958، يعكس وضعا يجعل انتقالنا إلى تلك «الحداثة» التي أحلم بها، أو على الأقل إلى عتبتها، أمرا مستحيلا: هناك إصرار على أن يبقى النظام القبلي الطبقي المبني على الدم، ساريا في المجتمع المغربي مثل النسغ في الشجرة، إذ يكفي أن نزيل القشرة الرقيقة والمصطنعة للعصرنة حتى نَعلقَ في لزوجته.

ويكشف هذا التشبث بهذه الروابط التي يختلط فيها الدم بالدين أن الكائن المغربي في عمقه مازال بعيدا عن مرحلة التمييز بين ما يسميه الإغريق «البوليس» و»الكوسموس»، أي بين الحاضرة والكون، بين ما هو بشري محض، وما هو إلهي. والأخطر من هذا هو أنه يخاف من الاقتراب من هذه المرحلة لأنه يظن أن التمييز بين «الكوسموس» و»البوليس» سيفضي لا محالة إلى إلغاء واحد منهما للآخر. والحال، كما يقول عبد السلام بنعبد العالي، إن هذا التمييز يعني، أساسا، الفصل بين الحاضرة والكون وليس إلغاء أي منهما. أي فصل الدولة كنتاج للنشاط البشري، عن الدين كمعطى روحي.. وعدم الاعتماد على السلطة النافذة للثاني من أجل التحكم في الأولى والاستفادة من امتيازاتها.

ولا شك أن السبيل إلى بلوغ هذه المرحلة يحتاج إلى تحطيم الكثير من الأفكار التي تحولت إلى أًصنام متكلسة، وقتل الكثير من الآباء الذين تحولوا إلى تماثيل مغبرة تحجب عن ظلالها الأفق الرحب. 

وفي تقديري أولى الخطوات على ذلك المسلك الطويل والشاق، يمر عبر إرساء نظام تعليمي له القدرة على تكريس مبادئ المساواة واعتماد الاستحقاق بدل روابط الدم والنسب والقرابة. لأن المدرسة كما يقول المفكر عبد الله العروي هي: «حلقة الوصل بين البيت»، حيث يتلقى الطفل/ الطفلة التربية الأولى التي يغلب عليها المحافظة في مجتمعنا، وبين مراكز القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وأنا أتأمل وضع مدرستنا لا يسعني سوى أن أعود النفس على بقاء ما جاء في البيان المشترك لوزارتي الداخلية والعدل حبيس الحبر الذي كُتب به.

شارك المقال