مــات الجــوع وأوصى.. !

17 فبراير 2015 - 23:28

تصدق الشاعر حافظ إبراهيم بعباءة قديمة، وبينما هو جالس مع صديقه خليل مطران مرّ أمامهما المُتصدّق عليه وقد كتب عليها بخط كبير: «لا إله إلا الله». امتدحه حافظ إبراهيم قائلا: جميل هذا الذي كتبتَ على العباءة، لكن لماذا لم تضف إليها  «محمد رسول الله»، فرد المتسول: «لأنها صنعت في زمن الجاهلية، وقبل نزول الوحي على أشْرَفِ الخلق»!!

وهمس توفيق الحكيم في أذن صديقه أحمد رامي قائلا: «أليس من السفه أن أضيع جُنَيْهَاتِي في حجز تذكرة سهرة أم كلثوم، مادامت سَتُنْقَلُ عبر المذياع مباشرة». فلما بلغ الخبرُ إلى سيدة الطرب العربي وكان بجوارها توفيق الحكيم، تَظَاهَرت بالبحثِ في حقيبتها اليدوية ثم قالت له: «نسيت النقود بالمنزل»، فأقرضها توفيق بعض الجنيهات، وعندما طالت مدة السداد، صارحها بالأمر فردت: «اسمع يا توفيق..أنت استمتعت بصوتي، وَسَوَاءً أكان على الهواء مباشرة أو بحضورك الآدمي بالمسرح فله ثمن، لنْ أرد لك شيئا، فأسقط في يد الأديب البخيل»!!

في المثالين معا حديث عن البخل، وهو آفة نفسية ملازمة لصاحبها، يقطع بها أسباب التواصل والمودة والرحمة بينه وبين محيطه، وقد يكون محل البخل مالا أو خدمة أو جميلا أو ما يدخل في حكم العمل الإنساني الخاص أو العام، وقد يختلف البخل بين ما هو سلوك لذاته لا يستهدف مُرَاداً ولو كان المرء ميسور الحال، لكنه بخيل شحيح، وقد يكون الهدف من السلوك حرمان الغير من مكسب ما أو من ظهور علامات اليسر والسعادة عليه، مثل الذي يستأثر بنفسه في إدراك كل المزايا والفوائد ضدا على الغير، وقد سمعت أحدهم يقول لكاتبته الخاصة عندما أخبرته أنَّ مُؤَسَّسَتَيْن حَدَّدَتا يوماً واحدا لنشاط معين، فأجابها: «وافِقي على أحدهما واعتذري عن حضور الموعد الآخر». بينما لديه بإدارته عدد لا يستهان به ممَّن يفيدون في الموضوع: فهو خائف، وَجِلٌ، مذعور يخشى أن يظهر غيره على الساحة، لذلك يسعى جاهداً إلى طمس أي بصيص أمل ينفلت منه النور!!

قد يكون سر البخل ذكاء حادا، واستحضارا لما سَيقع لاحقا، وقد دأبت الدولة في زمن مضى على إجْبَار أصحاب الدكاكين لشراء ورقة اليانصيب الوطني، وكان المقدمون يلزمون الناس باقتنائها بثمن يصل إلى مائتي درهم أحيانا، وقد جاءني جاري ابن صاحب الدكان باكيا بعد أن رفض والده تمكينه من تذكرة السهرة الكبرى لليانصيب بالعمالة التي ستقام يوم السبت، فلما است  فسرت الأب قال: «اسمع، لابد أن أحتفظ بالورقة، فبالرغم من أن المقدم باعها لي، فسيمرُّ عليّ يوم الاثنين وينفي أنني اشتريتها إذا لم تكن بحوزتي سأُجبر على أداء مائتي درهم أخرى، فحرمان ولدي من سهرة اليانصيب أهون عَليَّ من أداء مبلغ 400 درهم».

ولم يكن جاري صاحب الدكان كاذبا، فقد وقفت على الأمر بنفسي، واستنتجت أن البخل المنسوب إلى هذه الفئة من الناس ليس صحيحا في عمومه. على خلاف صاحبي الذي لازال محتفظا بدرهم أبيض يضعها في آلة الهاتف العمومي، ثم يستردُّها بمجرد سماع الرنين من الطرف الآخر، كي لا تضيع منه إذا ما تكلم المُخَاطَبُ!

 إن أخطر البخل هو ما اتصل بقطع الأرزاق على الناس رغم وفرتها، وحرص البعض منا على الاستئثار بمفرده بموقع ما، أو عدة مواقع لا يفيد في أي واحد منها، وقد دأب أحد الأطر السامية على تفويض مهامه خلال فترة غيابه إلى شخص أبله بليد لا يفقه شيئا، حتى يضيع حق كُل طموح واعد، وفي المعنى نفسه حرص أحدهم على إسناد كل مهامه لكاتبته الخاصة مع أمرها بعدم تفويض أي عمل طارئ. بل من البخلاء من أوصد أبواب إدارته عن آخرها أثناء سفره إلى خارج الوطن، فظل مستشاروه طيلة فترة غيابه يتسكعون، وقد اجتمع لهذا الشخص البخل المعنوي والمادي مَعًا، إذ لا يخجل أن يطلب سيجارة من عون الخدمة، بل ويأمُرُهُ بشرائها من ماله الخاص!

لم يكن الجاحظ مبالغا عندما عرض لسيرة البخلاء، فهذا الداء المقيت لازال حاضرا في تصريف الشأن العام ببلادنا، ومن جنسه حرص البخلاء على الاستفادة من عدة تعويضات في الآن نفسه، مع اختلاف المهام دون أن يستفيد الغير منها، ولعل أوضح صورة لهذا الشبح الشاذ، حرص البعض على الحصول على راتب التقاعد رغم أن المهمة التي يقومون بها خلال فترة ولايتهم، سياسية أو ذات طبيعية انتخابية، ما يعني إثراء بلا سبب !!

 ما قام به الشاعر حافظ إبراهيم عندما أهدى عباءة رثه للمتسول، هو ما يقوم بما الآن بعض مسؤولينا بالتصدق بما لا قيمة له ماديا أو معنويا ناسين قول الله عز وجل «وأمّا بِنْعِمَةِ ربك فَحَدِّت» صدق الله العظيم.

هناك مثل مأثور في مدينة سلا، فإذا اشتهر أحدهم بالبُخْل، وكان أَجْدَادهُ على شَاِكلَتِه، نقول: « مَاتَ الجُوع وأوْصَى..»، أي أن «الجوع» لمَّا حَضَرَتْهُ الوفاة أوصى أولاده وأحفاده بالبُخْل والشُّحِ، وَكذلك كان!!  

رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

[email protected]

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي