أَرق!

24 فبراير 2015 - 22:24

الليل، هذا الكائن الهُلامِيُّ المُلْتحِف بالغموض، هذه البئر العميقة الملأى بالأسرار والخبايا والغرائب والعجائب !!

الليل، مَحْمِيَةٌ مُسَيَّجَةٌ بالأشْبَاح، مُتَّشِحَةٌ بالسواد، نختبئ فيها فلا يرى أَحدُنَا أحدا!!

يختبئ فيها الفقراء المحاصرين بأعالي الجبال على وَقع الثلوج، المُتَسَمِّروُنَ حَول مدفأة تَقْضِم نارها الضئيلة أَعْوادا خضراءَ تَرْفُضُ الرَّمَادَ، فينام الأهل على الطَّوى والبرد القارس في انتظار الأمل المفقود !!

وعلى السفح، يختبئ المقامرون بالحانات وعُلب الليل، وفَنادق الخمس نجوم، يَتأَفَّفون من وُعُود وكَلام مَلائِكِي لُوك بِالنَّهار، ويَتَخَفَّفُونَ مِنْ أسْمَالِ تمثيلية بائسة، والكُلُّ مشدود إلى مغني يترنّح بلسان طَافِح.

اللَّيْلُ يا ليلَى يُعاتُبِني

ويقُولُ لِي سَلّم عَلى لَيْلَى

اللّيْلُ لا تَأْتي نَسَائِمُهُ

إِلاَّ إِذَا غَنَّى الهَوى لَيْلَى

ثم تمتزج النظرات باللمسات بالنزوات إلى أجل مُسمى.

في هذا الليل البهيم، تنام النفس المطمئنة المؤمنة الهانئة مِلئ الجفون عن الشَّوارِد، تَتَمثّل قول الله عزَّ وجل: «وجَعلنَا الليل سُباتًا» صدق الله العظيم. فهي كَدَحت طِيلة النَّهَارِ نَادِلاً بمقهى، مُوظَّفًا مَسْحوقًا بإِدَارة لا تَرْحَم، قَاضِيًا مستقلا لا يهاب أحدا غير وَجه الحَقِّ.

وفي السرير المقابل تَتَقلّبُ الأنْفُس المَرْضَى مِنْ الحُمَّى وأوجاع الضَّمير، تتقاذفها الأشباح بَيْن الأركان الأربعة، وتنهش جسدهَا ذَات المَباضع التي استعملتها في الظلام لإيذاء الغَيْر قَوْلاً كاذبًا، قلما أَحْمر ظَالِما، يدا سارقة غادرة، ولاَ تَنْفَعُهَا المُسَكِّنات في طلب السكينة وراحة البال !!

في هزيع ليل شتوي بارد، من نافذتي المطلة على الشارع الكبير، تَمْرُقُ سيارات ثَمِلَة يَلْهجُ راكبوها بالغناء: «آهْيَا مَوْلايَ السُّلْطَانِ، هُزْ عَيْنَيكَ تْشُوفْ الزَّينَ»، فيْرْفَعُ السائق عينَيهِ النَاعِسَتَيْنِ ليصطدم بِشَاِحنَة مُقابلة، فَيَتَحَوَّلُ العرسُ إلى مأتم !!

في هذا الهزيع، يتحدى السائقون عُنْوَة لِجَان الوقاية من حوادث السير فَيَسِيرُون بلا أضْوَاء، ومِنَ الطريق الممنوع، وبرُكَّاب زائدين، فالكُّل نَائِم، فَلِمَ لا يُجْرِمُونَ!!

وعلى مسافة قريبة، يقف كلب الحي يَقظًا مستأسدا، يطرد الغريب، لا يهمه أن يُكُونَ مُسَالِما أو ضَيْفا، هو في نَظَره شَاذٌ عَن الأُلفَة، فلابد من الاحتراز، وعلى نُبَاحه يُفيق حارسنَا الآدمي، ثم يعود إلى النوم. ثانية كَي يعترض في الصباح الباكر سُكَان الحَارَة لاستخلاص أُجَرة نومِه العميق، من نافدتي المطلة على المجتمع الليلي تتراءى أشباح المشردين وَهِي تتدثَّر بِأَكْياس الأسْمَنت، وسكارى فقدوا بَوصَلَة القيادة نَحْو منازلهم، وقُطَّاعُ طرُق يتَحيّنُون فُرَص الانقضاضِ، ويَقضُّ السُكون صُيَاح جَار أضَاعَ مفتاح باب العمارة !!

بعد قليل، سيَسْتَهِلُّ النور جَنِينًا صَاِرخًا: على آذان فَجْر ينشر رَافِعُهُ اليُمْنَ والبركات، على صياح ديك نشيط يَقِظ يزرع الأَمل في الأنفس الخاملة. سيأتي النهار، سينزل الفقراء إلى سوق العمل الكاسد، يتمثلون قول الله عز وجل: «وَجَعَلنَا النَّهَارَ معاشًا» صدق الله العظيم.

وَسَيُمارِسُ المُقَامِرُون هواياتهم، وبالليل تعود حَلِيمة إلى دَارِها القديمة!

أقفلت النافذة، وتمنيت لو أمْلِك إرادة المتنبي وأقول:

أَنَامُ مِلْئَ جُفونِي عَنْ شوَارِدِهَا    وَيَخْتَصِمُ القَوْمُ جَرَّاهَا وَيَحْتَكِمُ

ولكن بدون جدوى!

رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

[email protected]

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي