تقديس التأويل

27 فبراير 2015 - 21:06

ذبح الأسرى والمختطفين من الوريد إلى الوريد، فرادى أو جماعات.. حرق المرء وهو حيٌّ.. تنفيذ الإعدام، رجمُ النساء بتهم الزنا.. إلخ.

لا شك أن كل من يقوى على متابعة تلك الأشرطة البشعة والمعدة بعناية مذهلة، التي تبثها «داعش» بشكل يكاد يكون يوميا على «اليوتوب» (أو على الأقل المقاطع التي يمكن تحمل مشاهدتها)، ينتبهُ – إن أفلح في تبديد الشعور بالتقزز والخزي- إلى أن أبطال تلك الفيديوهات يتقمصون أدوارهم المأساوية الجديدة بجدية مُخيفة، ويقبلون على أعمالهم الوحشية ليس بتلذذ المغرق في السادية فقط، بل، كذلك، بهدوء واطمئنان الواثق بأن ما يقوم به «فعل شرعي». وهذا في تقديري مرده أمران مترابطان.

الأول يتجلى في تحول الإسلام والمسلمين منذ سنين إلى مرادف للعنف بكل أصنافه، ولذلك بات كل من يحس في نفسه ميلا غامضا إلى الفتك بالآخر المختلف (اليهودي، المسيحي، الشيعي، السني المختلف، المرأة، المثلي، الغني…)، في حاجة إلى غطاء ليقنع نفسه بشرعية العنف الذي سيقدم عليه يخف إلى الاستظلال بمظلة هذا الدين، فيغير الاسم ويرسل اللحية، وعادات لباسه، ثم يتوهم بكل بساط أنه مجرد امتداد لليد الإلهية التي تُنزل العقاب بكل من يعتبره هو، وليس الله، مخالفا لشرعه. ومن فرط ما توسعت هذه «الموضة» وأخذت تحتل بالخصوص وسائل الإعلام والتواصل الحديثة حتى كاد المرء ينسى، وهذا ما يحدث عن الآخر غير المسلم، أن الله في الإسلام ليس جبّارا، بل هو في الأصل «رحمان رحيم»، وهي الصفة التي تبتدئ بها كل سور القرآن إلا واحدة.

الأمر الثاني يتمثل، في تقديري، في كون جانب كبير من الفقهاء المسلمين انتقلوا من تقديس النص (من قرآن وأحاديث) إلى تقديس تأويل هذا النص (تفاسير الفقهاء القدامى)، والخطير في هذا الأمر أن هذا التأويل، وهو في معظمه ذو روح سلفية مُغرقة في القدم، يتحول إلى سلطة تكاد تفوق سلطة النص المقدس نفسه. هكذا لم يعد هؤلاء الفقهاء يسعون إلى بذل الجهد المضني والانخراط في قراءة جديدة للقرآن تأخذ بعين الاعتبار كل المستجدات التي تعرفها الإنسانية برمتها، والمجتمعات التي انتشر فيها الإسلام، بل يستسلمون إلى الكسل الفكري ويكتفون بدور الناقل الحافظ والمردد للتأويلات التي قام بها أسلافهم في ظروف مجتمعية وتاريخية وسياسية تختلف كل الاختلاف عن هذا الحاضر. ويصبح هذا التأويل الماضوي، مثل عنكبوت أسطور يبسط شبكته على هذا المجتمع الإسلامي، ويغلف بلعابه الأبيض كل ما يعلق بها وهو كثير وكثير جدا. ومن تقديس التأويل هذا ينبع تشبث «فقهاء داعش» وغيرها، ليس بالآيات التي تتضمن دعوة إلى العنف، بل بتفسيرها الماضوي.

أجل، إن «داعش» و»القاعدة» وغيرها من التنظيمات المتطرفة خرجت من رحم الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي، وما نتج عنهما من اهتزاز نفسي، ولكنها كذلك ابنة للكسل الفكري الذي استوى في نفوس الفقهاء والعلماء الذين انتقلوا من تقديس النص إلى تقديس التأويل، وأخذوا يركنون إلى اجترار هذا التأويل دون النفاذ إلى النص الأصلي وقراءته برمته قراءة جديدة ترمم تلك الخدوش التي مسّت صورة الإسلام لدى الآخر.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عبد الرحمن أخبار اليوم منذ 6 سنوات

للتصحيح فقط، الله رحمان رحيم وجبار أيضا سبحانه وتعالى. إلا أن رحمته أسبق من عقوبته عز وجل.

عبد الرحمن أخبار اليوم منذ 6 سنوات

صحيح أن القاعدة الفقهية المستنبطة من عموم الأحكام اشرعية تقرر عدم إنكار تغير الأحكام بتغير الأزمان والعادات، إلا أن ذلك منحصر في الأحكام التي لها ارتباط بهذه المتغيرات وتعلق بها يؤدي إلى تغيرها نتيجة تأثرها بتغير ما تعلقت به. أما الأحكام القطعية المستمرة التي لا أثر للزمن أو غيره من المتغيرات بها وهي غالب أصول الدين كأحكام العقيدة ووجوب الأركان الخمس ومكارم الأخلاق وتحريم الفواحش وغيرها فلا تغيير فيها إذا توفرت شروط تحقق هذه الأحكام وانتفت موانعها. ولا تجد عالما وفقيها متأصلا يخلط بين الأحكام الثابتة والمتغيرة وإلا لما كان معدودا ضمن العلماء، لهذا يعتبر ربط مخالفات وتجاوزات بعض الأغرار بتأويلات الفقهاء للنصوص ضربا من الافتراض الذي لا دليل عليه خاصة وأن كل من يعرف بالعلم الشرعي والرسوخ فيه في عصرنا قد تبرؤوا من فعل الدواعش ولم يربطه أحد منهم وهم فرسان الميدان بتأويلات العلماء للنصوص، بل في الغالب ربطوا ذلك بالتغرير بالأحداث من قبل أصحاب المصالح في الداخل والخارج _ وما أوضح ذلك لمن تأمل سياق تشكل الدواعش السريع ومدهم بكل الوسائل اللوجستيكية في وقت ثار فيه الأحرار بوسائلهم البسيطة والحكيمة على الاستبداد والظلم والعمالة للخارج في كل من العراق وسوريا_. ومنهم آخرون ربطوه بانحراف عن منهج الإسلام القويم وشبهوا فعلهم بانحرافات لحدثاء أسنان وسفهاء أحلام عرفهم التاريخ الإسلامي في مراحل مختلفة منذ عصر الخوارج لووا أعناق النصوص الشرعية بتأويلات لا تحتملها ولا يمكن أن يفهمها منها طلبة العلم فضلا عن العلماء، ولهذا كنا نجد العلماء والفقهاء في كل زمان يبينون عور أفكارهم ويردون عن شبههم محتجين عليهم بالحجج الدامغة والنصوص الثابتة. وهذا لا يحسب على الإسلام بل يحسب له، فكما لا يمكننا بعد أن نلوم مهندسا مبتدئا أخطأ في تصميم بناية فأدى ذلك إلى كارثة أن نشمل باللوم أيضا جميع منظري الهندسة وعلمائها إلى أن نصل إلى علم الهندسة. ولم نسمع قط حتى من كتابنا المسلمين بعد حوادث حرق المسلمين أحياء في بورما على يد البوذيين من يربط ذلك بتشريعات البوذية وتأويلات كهنتها، ولا حين يقتل اليهود الأطفال في فلسطين من يربط ذلك بتأويلات أحبار اليهود وساسة حزبهم المتطرف ""إسرائيل بيتنا"" مثلا أو بالبروتوكولات السرية لحكماء صهيون. فإذا بان ذلك فويلكم كيف تحكمون؟

التالي