البرلمان والحوار العمومي

02 مارس 2015 - 21:48

قُدِّر لكاتب هذه السطور، بعد مشاركته في المؤتمر الخامس للجمعية المغربية للعلوم السياسية، المنعقد بمراكش في بداية الأسبوع الفارط، أن يساهم في ندوتين دراسيتين، الأولى منظمة من طرف كل من الوزارة المكلفة بالعلاقة مع البرلمان وكلية الحقوق السويسي بالرباط، حول موضوع: «القوانين التنظيمية وتفعيل دستور 2011»، وذلك يوم الأربعاء الماضي، ثم الثانية التي نُظّمت يوم الجمعة، من طرف كل من الودادية الحسنية للقضاة والمرصد القضائي للحريات في موضوع: «استقلالية السلطة القضائية» .

وإذا كان المؤتمر سابق الذكر قد عرف على الخصوص نقاشات غنية حول أشكال حضور الباحثين وعلماء السياسة، في فضاءات الحوار العمومي، فإن الندوتين المذكورتين قد عرفتا جدلا مهما حول العلاقة بين مسارات التشاور والحوار العمومي وبين لحظة التداول البرلماني، خاصة عندما تقدم الحكومة مشاريع قوانين أو قوانين تنظيمية مستوحاة من خلاصات استشارة عمومية واسعة، كما هو الحال بالنسبة إلى القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي يعد بشكل من الأشكال واحدا من مخرجات الحوار الوطني حول إصلاح العدالة، أو العديد من النصوص التي ستقدمها الحكومة انطلاقا من الحوار الوطني حول الأدوار الدستورية الجديدة للمجتمع المدني.

أجل؛ إن تعدد الحوارات القطاعية والموضوعاتية، سواء التي تأخذ شكل استشارات عمومية واسعة أو تلك التي تتجسد في لجن «علمية أو تقنية»، يطرح سؤالا حول تمفصل خلاصات هذه الحوارات مع القرار التشريعي للبرلمان.

وهو تقريبا السؤال نفسه، الذي يطرح في العلاقة بين مخرجات هيئات الحكامة وبين العمل التشريعي.

خلال المناقشة في الندوتين المذكورتين، كثيرا ما يرفع المدافعون عن الصيغة الحالية لمشروع القانون التنظيمي حول المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حجة احترام المشرع لتوصيات الحوار الوطني حول إصلاح العدالة، فيما كثيرون يذهبون أكثر من ذلك عندما يجعلون ثناء الملك على عمل هذه اللجنة التي دبرت هذا الحوار، ثم مرور المشروع أمام أنظاره داخل المجلس الوزاري، دليلا حاسما على ضرورة غلق ملف النقاش حول المقتضيات الخلافية لهذا القانون.

لا يزال، إذن، داخل الفضاء العام، مع الأسف، مكان «لحجة السلطة»، حيث عوض الاحتكام لحجج العقل والمصلحة، عادة ما يتم استعمال المؤسسة الملكية للدفاع عن وجهة نظر أو تصور معين  .

والمؤكد أن رئاسة الملك للمجلس الوزاري، لا تحصن في المطلق مشاريع القوانين التي تمر داخل هذا المجلس، إذ تبقى الكلمة النهائية رفضا أو موافقة أو تعديلا للبرلمان. كما أنه من باب التعسف الاختباء وراء بلاغ للديوان الملكي يُثمّن أشغال استشارة عمومية لتحصين مخرجات هذه الاستشارة من أدنى مناقشة !

الواقع أن التسليم الدستوري باحتكار البرلمان للوظيفة التشريعية، يوازيه في المقابل تقدم على مستوى النص، كما على مستوى الممارسة للرهان المشترك للدولة، وكذا للمجتمع على إنضاج القرارات العامة من خلال قدر معقول من التشاور، والانفتاح على المشاركة المدنية، واستثمار الآليات المؤسسية الاستشارية. إن أشكال التشاور والحوار والتداول، فضلا عن كونها قد أصبحت التزاما دستوريا، تبقى دليلا قويا على درجة الانفتاح في صياغة القرارات العمومية، وتعبيرا عن توجه ديمقراطي واضح، لكنها ليست بالتأكيد بديلا عن النقاش البرلماني وعن الديمقراطية التمثيلية .

إن تحولات الحوار العمومي، وتعدد آليات الإيحاء التشريعي، وثراء المساهمة المجتمعية والمدنية في الترافع القانوني، وديناميكية المؤسسات الوطنية وهيئات الحكامة في الاقتراح، وتواتر مسارات التشاور العمومي، كلها عوامل تدعو في الواقع إلى إعادة تعريف الوظيفة التشريعية للبرلمان .

إعادة التعريف هذه تبقى شرطا أساسيا لتدبير التمفصل الضروري الذي باتت تفرضه هذه الديناميكيات الجديدة للحوار العمومي، وهي تتطلب التركيز على مركزية وأولوية البرلمان في إنتاج القوانين كضامن للمصلحة العامة وكمشرع للأمة وللمستقبل، بعيدا عن المنطق الفئوي وعن المصالح الخاصة، كل ذلك في تفاعل خلاّق مع كل خلاصات الحوارات العمومية المتعددة. مبارك مرابط

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي