وأنا أتابع التلذذ الغريب، الذي كان باديا على وجوه رجال «داعش» وهم يُدمرون محتويات متحف الموصل، تذكرت ذلك البيت الشهير، الذي لم أعرف قط قائله: هذه آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار. والواقع أن كل التنظيمات والمذاهب الفكرية المتطرفة لا ترغب فقط، في بقاء أي شيء يدل على ما قبلها، حتى وإن كان مجرد «أثر»، بل وتقوم بكل شيء حتى لا يبقى أي «أثر» لكل مختلف عنها. ولنا في التاريخ الحديث نماذج حاولت أن تمحو ما قبلها: «النازية» سعت إلى القضاء على كل ما هو غير «آري»، و»الخمير الحمر» كرسوا كل جهدهم للقضاء على كل ما هو مختلف عنهم في الكامبدوج في نهاية السبعينيات. أما طالبان، فلم يترددوا في تدمير ما يشير إلى حضارات عريقة بصمت جبال أفغانستان وكل آسيا الوسطى…
إن «داعش»، التي دمّرت قبل أشهر تمثال أبي تمام، لا تهدم آثار الحضارات التي سبقتها إلى المنطقة وعمّرتها لمئات السنين بسبب وازع ديني، بقدر ما تسعى إلى إنجاز عملية «غسل دماغ مجتمعية» في المناطق التي تسيطر عليها، وبناء جيل أو أجيال مسطحة لا ذاكرة ولا عمق تاريخي لها.. أجيال تكون مرجعيتها الأولى والأخيرة هي الفكر الـ»داعشي» المنغلق القائم على تصفية الآخر.
إن «داعش»، كمنظومة فكرية، كائن منغلق لا شك، ولكنه مع ذلك يتمتع بما أميل إلى وصفه بـ»الذكاء الفطري». وهذا الأخير يخولها قدرة طبيعية على إدراك أن أي شيء من الماضي سواء أكانت تماثيل أو مجرد رسوم، يشكل «أثرا» بالمعنى الذي حدده له جاك دريدا، أي يمثل غيابا وحضورا في الآن ذاته. والآثار التي كانت في متحف «الموصل» تعني فيما تعني استمرار وجود الحضارة التي أنتجته، وإن غابت على أرض الواقع واندثرت منذ أزيد من ألفين أو ثلاثة آلاف سنة. وهذا الحضور، حتى وإن كان خافتا يعتبر أمرا غير مقبول بالنسبة إلى «داعش»، لأنه «تشويشٌ» على «السواد الناصع» لفكره، ويزعج تلك «الأحادية» المتحجرة التي يريد أن يُكبل بها المجتمع. ولتأكيد هذه الأحادية، لا تدمر «داعش» آثار الحضارات القديمة فقط، بل تمتد معاولها إلى المساجد والأضرحة التي ترى أنها «تزيغ» عن «المحجة السوداء»، التي رسمتها (سواء أكانت أماكن العبادة تلك شيعية أو صوفية أو غيرها).
إن «داعش» تدرك جيدا أن الآثار مرآة سحرية عندما ننظر إليها، ترد إلينا صورتنا التي كانت، وحتى صورتنا الحاضرة. ولعل التنظيم اكتشف بشاعة وجهه وقُبحه الشديد عندما رفع بصره إلى آثار متحف «الموصل»، تماما مثلما حدث لـ»دوريان غري» لما نظر إلى صورته عند نهاية الرواية الشهيرة للكاتب الإرلندي أوسكار وايلد. وكما راح غري يعبث بالصورة بخنجره لأنه لم يتحمل ما رأى، أخذ رجال «داعش» معاولهم ومطارقهم لهدم تلك الآثار.
إن «داعش» تريد، من خلال هدم تلك الآثار، أن تخلق مجتمعا سطحيا لا عمق تاريخي له.. مجتمعا معوقا فاقدا للذاكرة.. مجتمعا مصابا بـ»التوحد» (autiste) لا قدرة له على التواصل مع محيطه. ومحو الذاكرة، واحدٌ من أهم السبل لبلوغ هذا الهدف.