أقلعي: الفساد أصل الداء.. والتطـرف تجـل مـن تجلـياته

11/03/2015 - 00:52
أقلعي: الفساد أصل الداء.. والتطـرف تجـل مـن تجلـياته

‭{‬ تركز روايتك الأخيرة «خريف العصافير» على واقع مغربي معقد يتشابك فيه الفقر والقهر والجهل والحرمان، والتطرف أيضا. ألا ترى أن الرواية تعود إلى تيمات سبق لأعمال روائية مغربية وعربية أن تناولتها؟ بعبارة أخرى، أي جديد تطرقه الرواية؟

< هذا صحيح، الموضوع مطروق، فعلا، في حقول إبداعية شتى. لكن يبدو لي أن أهمية «عصافير الخريف» تكمن في كيفية معالجة هذا الموضوع روائيا، وطبيعة هذه المعالجة، التي عبر عنها سؤالك، ووسمها بالتعقيد. لقد لعب القالب الروائي في هذه التجربة الدور الأكبر في رصد ظاهرة التطرف، وإضاءة بعض الأسباب الحاسمة التي تقف خلف وجوده، وانتشاره، ومنها ما استعرضته من جهل وفقر وحرمان، ولولا هذا القالب الروائي المشكل بدقة وعناية، لبدت معالجة موضوع التطرف في الرواية نسخة أخرى من النسخ الكثيرة التي أبانت عن نظرة سطحية للموضوع، أو على أكبر تقدير نظرة من زاوية واحدة. كنت أعرف منذ البداية أن المقاربة الفنية لهذا الموضوع انطلاقا من زاوية نظر وحيدة سوف تنتج عملا إبداعيا معطوبا، غير قابل للحياة في وجدان القارئ بما يجعله على بينة من خطورة هذه الظاهرة، ومن ضرورة التعامل معها بوعي وحكمة. ولذلك، كانت تجربتي الفنية موجهة لكل من يتقلد مسؤولية أسرية أو اجتماعية أو سياسية. ومع تباشير القراءات الأولى للرواية، أشعر باطمئنان كبير؛ تصلني رسائل من مختلف الأعمار والانتماءات الاجتماعية والمستويات الفكرية، تفاجئني بثمار رحلتها مع العمل، ومنها ما لم أكن أتصوره! 

‭{‬ تقدم الرواية الفقر والجهل باعتبارهما سببين من أسباب الإرهاب. لكنها تسكت، إلى حد ما، عن أدوار السياسة في تكريس هذا الواقع. ما رأيك؟

< لا يمكن بطبيعة الحال أن نتجاهل المسؤولية المباشرة للسياسة في وجود الفقر والجهل، وغيرهما من الآفات التي تعيق حركة الأفراد والمجتمعات نحو الديمقراطية الحقة، والتقدم القائم على أسس متينة لا لبس فيها. إن غول الفساد، في أي مجتمع من المجتمعات، يتجلى أول ما يتجلى في الحياة السياسية، فيعمل من خلالها على تقويض كل شيء، بما في ذلك أسس العدالة الاجتماعية في شتى تجلياتها. وهو ما يكون له تداعيات خطيرة على حياة الفرد والمجتمع على حد سواء؛ أولها تراجع الحس الوطني، وتفشي اليأس والعدمية، وطغيان الأنانية، وانتشار منطق الغش والانتفاع والاستغلال و(الفهلوة) والمنفعة الخاصة على حساب مفاهيم الوطنية، والتضامن، والإيثار والعدالة والمصلحة العامة، التي يكون لها في المجتمعات الديمقراطية الكلمة الأولى. بل إن الفرد يصبح، في مجتمع مختل ديمقراطيا، عدوا مباشرا لمجتمعه، صحيح أن هذا العداء يكون مقنعا، لكنه لا يفتأ أن يظهر في أشكال سافرة كلما سنحت له الفرصة، وما سلوك سبيل التطرف إلا مظهرا من مظاهر هذا العداء، وطبعا تتحمل السياسة غير السليمة القسط الأكبر من المسؤولية عن وجوده.

‭{‬ اعتمد بناء الرواية على تنويعات حكائية تستدعي استعمال ضمائر مختلفة في السرد. هل يعكس هذا الاختيار تعدد الأصوات في المجتمع المغربي؟ 

< أجل، وتعدد وجهات النظر بخصوص القضية الواحدة، وتكامل بعضها في أحايين أخرى. ونحن نعرف جيدا الدور الفني الذي يضطلع به التعدد الصوتي في الأعمال الروائية، وكيف أنه يساعد على انفتاح النص الأدبي في وجه شريحة عريضة متنوعة من القراء تتفاوت من الناحية العمرية والاجتماعية والثقافية، بل وتتسع لتشمل أشخاصا يعيشون في بيئات مختلفة؛ إذ إن التعدد الصوتي في أشكاله الفنية الراقية يمنح المبدع الفرصة ليحاور الإنسان في كل زمان ومكان بخصوص موضوع مشترك. أما منفعته في إطار اللعبة الروائية فهي كبيرة جدا؛ إنها بمنزلة مضاد حيوي للرتابة السردية والنظرة الأحادية اللتين قد تنتزعان من النص الروائي كثيرا من حيويته السردية، وفعاليته التأثيرية ومصداقيته التخييلية، أيضا، وهي الأهم.    

‭{‬ تستعمل الرواية لغة فصيحة، ومكثفة في الآن ذاته، ليس في السرد فحسب، بل في الحوار أيضا. كما تستعمل تقنيات أخرى، مثل الاسترجاع والاستباق وتيار الوعي. أي أغراض تخدمها هذه المكونات اللغوية والتقنية؟ ألا ترى أنها قد تشكل عائقا أثناء القراءة؟

< هذا سؤال مهم جدا بالنسبة إلى عملي؛ فبعيدا عن التحدي الموضوعي، كان عليّ أن أخوض تحديا من نوع آخر، أكثر أهمية وخطورة، وهو المرتبط بهندسة النص الروائي أو قالبه السردي. وطبعا، كل المشتغلين بالحقل الأدبي يعرفون أن الرواية الجيدة هي قالب قبل أن تكون موضوعا. أو بعبارة أخرى، هي الشكل الذي يتخلق من موضوع مخصوص. وبعيدا عن جدل حول هذه الإشكالية النقدية القديمة، أعترف أن أول ما فكرت به، وأنا أقلب موضوع الرواية في ذهني، هو نوع التكوين الذي سيخضع له. وبما أن المسألة تتعلق برصد ظاهرة على قدر كبير من العمق والتعقيد، كان من الواضح أن اعتماد الأسلوب التقليدي في تشكيل متخيل مماثل سوف يفضي إلى ثغرات بنائية وإيحائية كثيرة قد تكون سببا في تفكك العمل، أو ترهله، وبالتالي اختلال توازنه. إن شخصية جعفر، بطل القصة، ليست شخصية سليمة من الناحية السيكولوجية، والبيولوجية أيضا، فلابد لهذه العلة أن يكون لها أثر مباشر على سلامة التفكير المنطقي عنده وتسلسله، وانتظامه. وبالتالي لا بد للحكي الذي يصدر عن جعفر أو يتقاطع معه أن يكون سردا متداعيا، استرجاعيا، تارة، كما لاحظت، واستباقيا تارة أخرى، غير منطقي تارة ثالثة… وهو ما رجح استعمال بعض تقنيات الكتابة الحديثة، كما تجلت في أعمال كثير من رواد تيار الوعي، مثل الأمريكي ويليام فولكنر، والأيرلنديين جيمس جويس وفيرجينا وولف وغيرهم. ولكن بدا لي أن الاقتصار على مجرد استثمار هذه التقنيات قد يحرم تجربتي السردية خاصيتين رئيستين: أصالة العمل الأدبي، وشمولية تأثيره. وقد تطلب مني حل هذه المعضلة الجمالية وقتا طويلا، وتدريبا مضنيا على تشكيل المادة اللغوية أشكالا مختلفة متنوعة، وصياغة متكررة استغرقت أكثر من أربع سنوات. وكان لا بد أن أستثمر ما اكتسبته من خبرة في الكتابة السينمائية، لكي أجعل الانتقالات عبر الأزمنة المختلفة في هذا العمل تتم بمرونة عبر روابط بصرية ولغوية، وهي التقنية المعروفة في الكتابة السيناريستية. فكانت النتيجة مقبولة، على ما أعتقد، وتفاعل مع هذا العمل كل من القارئ المخصوص، والقارئ العادي على حد سواء.

شارك المقال