شكل انعقاد منتدى « كرانس مونتانا» بمدينة الداخلة المغربية حدثا استثنائيا بكل المقاييس. فهو حدث استثنائي بمكان انعقاده، ونوعية المشاركين في أشغاله، من مؤسسات وأشخاص، وهو، أيضا، استثنائي بالقيمة التي أضافها إلى المغرب، والآفاق المهمة التي فتحها أمامه. والحقيقة أن اختيار المغرب، وتحديدا إحدى حواضره الجنوبية، لم يأت صدفةً، بل جاء موفّقا ودالا، بالنظر إلى ما للمغرب من إمكانيات تُسعفه في احتضان مثل هذه المناسبات الدولية الاستراتيجية.
لم يكن بإمكان المنتدى أن ينعقد، وينعقد تحديدا بمدينة الداخلية، دون أن يعرف محاولات يائسة للتشويش عليه، من قبل الجوار، أو من لدن من لا يروقُه رؤية المغرب بلدا مستقطبا لمناسبات دولية وازنة، من قبيل منتدى «كرانس مونتانا»، الملتئم ما بين 12 و14 مارس 2015 في مدينة الداخلة المغربية. والواقع أن المتابع لبعض هذه الردود، ينتابه قدر كبير من الإشفاق عن ضيق الأفق، وضحالة الرؤية، وحجم الحنق الذي يطبع سلوكيات دول، يُفترض أن تكون في مقدمة المساندين لمثل هذه اللقاءات الدولية، التي تهتم بالقضايا الاستراتيجية لإفريقيا، ومناطقها الفرعية، كما هول حال بلاد المغرب.. ومع ذلك، الأمور بخواتمها كما قالت العرب. فالمنتدى نجح بكل المقاييس، والداخلة تحولت إلى قاطرة للتنمية في إفريقيا.
ثمة معطيات موضوعية تجعل المغرب جديرا باحتضان مثل هذه المناسبات، وبعيدا عن الجدل غير المُجدي، يمكن الإشارة إلى بعضها.
يتعلق المُعطى الأول بواقع جغرافي وبشري، هو أن المغرب حسم موضوعيا قضية استرجاع أقاليمه المستعمرة في الجنوب، التي تحولت عبر أربعة عقود إلى مدن وحواضر مستقرة، تجهد بمعية السلطة المركزية من أجل توطيد الاندماج الوطني، وتعزيز قدرات الجميع، بأفق اكتمال شروط الاندماج الكامل، وتقوية مناخ الأمن والأمان والاستقرار. والحال أن المشاركين في المنتدى شاهدوا ولمسوا عن قرب التغييرات العميقة التي طرأت على حواضر منطقة الجنوب، وفي صدارتها مدينة الداخلة.
يرتبط المعطى الثاني بالرؤية الجديدة التي ما انفك المغرب يصوغ عناصرها منذ سنين، أي التوجه نحو إفريقيا كأفق استراتيجي، وأولوية لا رجعة فيها. والمتابع للسياسة الخارجية المغربية منذ بداية الألفية الجديدة، يلاحظ الأهمية الاستراتيجية التي حظيت بها إفريقيا جنوب الصحراء في تفكير وممارسة صانع القرار الخارجي. والحقيقة أن المغرب تمكن، خلال زمن قياسي، من رسم موقع جدير بالتقدير في العديد من الدول الإفريقية، لاعتبارات موضوعية تتعلق بأرصدة القوة التي يمتلكها المغرب في المجالات السياسية، والاقتصادية، والبشرية. والحقيقة أن مهما كانت الملاحظات التي من الممكن إبداؤها، حُيال حصيلة إنجازات المغرب في هذه المجالات، فإن البارز، والذي لا يختلف حوله اثنان، أن هناك تراكمات كمية ونوعية أكسبت المغرب قدرا كبيرا من التقدير، والثقة، والرهان عليه ليكون قطبا جاذبا لديناميات التنمية والأمن والاستقرار في إفريقيا.
يخص المعطى الثالث، وهو مرتبط بما سلف بيانُه، المكانةَ المحورية للمغرب، وجدارته في أن يلعب دورا مِفصليا في تنمية علاقات جنوب/جنوب، والحال هنا التنمية في إفريقيا. لذلك، نؤكد على أن المغرب راكم تجارب في المجالات ذات القيمة الاستراتيجية بقضية التنمية بمفهومها العام، وفي مُكنه أن يُفيد بها إيجابيا عموم البلاد الإفريقية التي تربطها وإياه علاقات وشراكات ومشاريع مشتركة. علاوة على ذلك، ثمة طلب إفريقي على خبرات المغرب وإنجازاته، ليس في مجالات التنمية الاقتصادية فحسب، ولكن، أيضا، في أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى العديد من الدول الإفريقية، من قبيل التنمية السياسية والإدارية، والأمن الروحي، والتعدد الهوياتي والثقافي.
نعود فنقول إن التئام منتدى «كرانس مونتانا» في مدينة الداخلة المغربية حدث استثنائي بكل المقاييس، وأنه قيمة مُضافة للمغرب، وإن بنجاح أشغاله نجحت رسالة المغرب في نشر قيم التسامح، والتفاهم المتبادل بين الثقافات، والأعراق، والأديان. وهو أيضا، كما شهد بذلك، القس «جيسي جاكسون»، «نجاح من أجل ولوج منصف للفقراء إلى الفرص والتنمية والتقدم في إفريقيا».