ورد في المقال المعنون : « أسرة مغربية مقيمة بإيطاليا تتخلى عن اسم ابنتها (جهاد) » و المنشور يوم الثلاثاء في احد المواقع المغربية ما يلي : (في ظل المعنى السلبي الذي أصبح يرادف كلمة جهاد لدى الرأي العام الغربي، بادرت أسرة مغربية مقيمة بإيطاليا إلى تغيير اسم ابنتها « جهاد » بعد 10 سنوات من ميلادها).
لدي سؤال قبل أن نبدأ في التعليق على هذا المقال : هل تعتقدون أن المسلمين المولودين في الغرب لهم مسؤولية خاصة في تمثيل الإسلام و التعريف به ؟ هل سيكون لتغيير اسم طفلتنا المولودة في إيطاليا من « جهاد » إلى اسم آخر أثر في تنشئتها و نموها و تفاعلها الإيجابي مع مختلف أطياف المجتمع الإيطالي ؟ كم منا، هنا في المغرب، على الأقل، يحمل أجمل الأسماء، و أكثرها قربا من حضارة المسلمين الغابرة، لكن أفعاله تدل نادرا على عمق انتمائه الديني و الثقافي و الحضاري ؟ أحيانا، لكثرة غش أو قلة تربية ذاك الفتى أو تلك الفتاة، تخاطب نفسك : ما أبعدنا عن الصدق المحمدي أو الشجاعة العمرية أو حكمة علي أو سعة علم البخاري، و هذه نماذج فقط، لأن لائحة من أسسوا لريادة هذه الأمة سابقا بين الأمم… هذه اللائحة طويلة، و ملؤها بأسماء الأعلام المؤثرين ليس موضوعنا.
على المستوى النظري فإن الخطوة التي أقدمت عليها أسرة « جهاد » هي عين العقل و أحد مظاهر التأقلم مع المجتمع المضيف (إيطاليا). لكن هذا الإجراء، و إن كنا لا نشك في حسن نوايا أصحابه و ذكائهم، يظل على مستوى عام، و هنا أسمح لنفسي بالخروج من نموذج أسرة « جهاد »، ليس هو ما يحتاجه جوهريا المسلمون في أوروبا. إنه نقطة انطلاق نحو ما هو أشمل و أدق و أعمق في تكوين الفرد المسلم، هناك في الضفة الأخرى، و جعله سفيرا للنوايا الحسنة، و مشعلا مضيئا لما يمكن أن يكونه المسلم حقا، بعيدا عن الوقوف عند عتبة المظاهر… المظاهر و كفى…
أيها المسلمون في إيطاليا و فرنسا و إسبانيا و بلجيكا و هولندا، و سائر بلدان أوروبا، ماذا فعلنا لتسليح أبنائنا بأقوى ثنائية تربوية يمكن أن نفتخر بها، ليس فقط كمسلمين، و لكن أيضا كمنتمين إلى عقيدة التوحيد و فلسفة إصلاح الأرض و اعمار الكون… ما هي هذه الثنائية ؟ إنها العلم و الإيمان. ما هي مسؤوليتنا جميعا في تربية أبنائنا و بناتنا على حب العلم و التحلي بالإيمان ؟ متى نفهم أن نهضتنا كمسلمين و استرجاعنا للدور القيادي و الإشعاعي بين الأمم مرهون بتشجيع العلماء و إحترام و تثمين العلم ؟ و ما قيمة العلم، الذي ندعو إلى الاهتمام به أكثر، كتابة و ترجمة و بحثا، إذا لم يرافقه التركيز على أن نعكس في تعاملاتنا اليومية قدرا لا بأس به من السلوك المهذب و حسن الخلق ؟
بالأمس، عندما كنت في طريق العودة من فاس إلى الرباط، على متن سيارتي بالطريق السريع، فوجئت بسائق كان يتقدمني يرمي من نافذة سيارته إلى الطريق قشور البرتقال، حتى أن والدي الراكب إلى جانبي علق ساخرا : « أكيد أنها برتقالة أحلى من العسل، تلك التي أكلها « خونا في الله »، لكن حلاوة هذه البرتقالة تفسدها مرارة متعددة الأبعاد : السائق (و هنا كنا قد تجاوزناه بالسيارة و أبصرنا بدافع الفضول ملامح وجهه) الستيني الذي تدل أرقام سيارته أنه يعيش في إيطاليا و مع ذلك لم يكتسب من حضارة هذا البلد و تقدمه شيئا. الله ينجينا من قلة الأدب… كان ذلك تعليق والدي الذي لم يأت محايدا، و إنما في قالب من الانزعاج و التذمر، فيا ترى كم عدد الأشخاص الذين يأتون أمثال هذه السلوكات ؟ و هل يتجرأ « خونا في الله » على إلقاء الأزبال في الفضاء العام بهذا الشكل إن كانت لدينا في المغرب قوانين صارمة للحفاظ على البيئة و معاقبة ملوثيها ؟
لنترك هذا المثال جانبا، و لنتفق أنتم و أنا على مسألة حيوية : إن التحضر الحقيقي لا يترجمه أن تسكن في بلد متقدم أو أن تحكم عليك الظروف أن تولد في بلد متخلف. التحضر الحقيقي هو الخلق الحسن.
انه يسوؤني في كثير من المناسبات، عندما أتجاذب أطراف الحديث، مع بعض السلفيين ( و هنا لا أهاجم تيارا فكريا بعينه، لأننا كلنا سلفيون إذا تمثلنا و تأثرنا في سلوكاتنا اليومية بالسلف الصالح) ، أن تلتقط مسامعي كثيرا عبارات من هذا القبيل : « صحيح أن فلانا ينقصه الكثير من العلم و التحضر، و لكن ألا يكفيه فخرا أنه مسلم ؟ / « و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين » و « من قال لا إله إلا الله دخل الجنة » حتى و إن كان ينقصه الحد الأدنى من السلوك الحسن، لأنما الأعمال بالنيات، و لأنه يكفينا أن نكون مسلمين / ما ذنب فلان إذا أعوزه التحلي بالحلم و الهدوء ؟ المجتمع المثالي الذي تنظر له لا وجود له، لأننا أصبحنا نعيش في غابة قويها يأكل ضعيفها).
أيها القارئ العزيز، كيف نعلق على هذه المسلمات ؟ كيف نتفاعل مع هذه الأفكار و الأحكام الجاهزة ؟ ألم يبعث محمد (صلى الله عليه و سلم) ليتمم مكارم الأخلاق ؟ لماذا أصبح نصيبنا من الدين إسلام بالوراثة، و تركيز على المظاهر، و غياب للجرأة في انتقاد ذواتنا، و ترسيخ لثقافة الاستهتار بذريعة أن الله هو وحده من يتولى شؤون العباد، ضاربين بذلك عرض الحائط مسؤوليتنا الفردية في مراقبة النفس ؟
أنظر معي إلى وضع المسلمين (و المغاربة جزء منهم) المزري في كل شيء، في كل مكان، في كل فعل : بعض من يؤدي الفريضة الخامسة بهدف استحقاق لقب الحاج، جماعات في المسجد همها التسابق على تسوية الصفوف و سد الفرج، دون أن تكون الأولوية الخشوع في الصلاة و التبسم في وجه جارك خارج المسجد، و تجنب أذاه، و مد يد العون له متى احتاج ذلك ؛ في عمارتك كم أسرة ترفض أداء واجب السانديك أو المساهمة الرمزية في إصلاح بعض المشاكل في المصعد أو الإنارة أو تبييض الجدران أو تجميل المداخل ؟؛ في حيك الغارقة دروبه ليلا في الظلام و بعد سقوط الأمطار في الأوحال، كم أسرة فكرت في التحرك و رفع الشكاوى للمسؤولين و لو كان مصيرها التجاهل ؟؛ المراهقون و الشباب اليافعون في مغربنا عالم متفرد وغريب، و فئة يصعب أحيانا التعامل معها… ألا نسمع كل يوم جملا، أصبحت من كثرة ترديدها، معتادة و لو مست الحياء و الأخلاق العامة ؟ : « هداك ساكن ف ديك الدار مع صاحبتو / هديك البنت خارجة على الطريق و لكن راجل تبارك الله عليها، هي لي هازة دارهم / هداك الأستاذ معقد، و مزير الطلبة بزاف و بحالي كيعطي النقط من جيبه… »
كيف حال غالب شبابنا في مغرب اليوم ؟ إبحار على شبكة الإنترنت بالساعات الطوال للدردشة و التسلي و النميمة على الفيسبوك و استهلاك مفرط للفيديوهات التافهة و توظيف ضعيف إن لم يكن منعدما للتكنولوجيا في التعلم و العلم. لماذا في مجتمعنا قلت بشكل رهيب الابتسامة و معها الايجابية و التفاؤل ؟ لماذا في مجتمعنا هيمنت الكآبة و غاب معها الفرح و الإقبال على الحياة ؟ لماذا ليس هناك ثقافة للعمل ؟ لماذا نحن في الإنتاج و الابتكار من أضعف خلق الله ؟ ثمة كثير من الناس يكلمونك دون أن ينظروا في عينيك، يسمعون لك دون أن يصغوا إليك، ثمة ملايين من الناس لا يقرؤون، لا تجدهم طالعوا في حياتهم كتابا واحدا اللهم ما جاء في واجبات المقرر الدراسي، و ثمة شبان كثر همهم الأساسي الموسيقى و الرقص و الاستهلاك و امتلاك أكبر سيارة و أصغر عقل و التسابق المحموم على اقتناء أفخر الملابس دون أن يكون للإنفاق الثقافي رصيد يحتسب…
إن عددا هائلا من مغاربتنا، إن لم يكن الجزء الأعظم، فقدوا أرواحهم، جريا وراء المال و المظاهر و الشهوات…
إن نموذج الأسرة المغربية المقيمة بإيطاليا التي تخلت عن اسم ابنتها (جهاد) بدافع من الذكاء الاجتماعي و الرغبة في التعايش، لا ينبغي أن ينسينا نوعا آخر من الجهاد يتعين علينا أن نمارسه في تعاملات و تفاعلات و سلوكات و تمظهرات كل الأيام : التمسك بمكارم الأخلاق؛ و ذاك هو حتما الطريق السريع نحو الجهاد الحقيقي.
* أستاذ جامعي و كاتب
amrimahdi@yahoo.fr