تذكرت هذه الأيام تلك الحكاية التي أوردها جيل كيبل، الباحث الفرنسي المتخصص في العالم العربي والإسلامي، في كتابه «شغف عربي»، واستشف منها تلك الطبقة السميكة من التجاهل المتبادل التي تُغلّف علاقة الكائن العربي بالمدينة.
لما انتقل إلى تونس بعد إجراء الانتخابات التي فازت فيها النهضة في أكتوبر 2011، علم بأن إخوان راشد الغنوشي سيحتفلون بانتصارهم في مسجد يحمل اسم «الفتح» بالعاصمة تونس. وراح يسأل الباعة الجائلين وأصحاب الأكشاك عن موقع هذا المسجد، فكانوا يرشدونه إلى وجهات مختلفة ومتناقضة، ولم يهتد إلى مقصده إلا بعد مشقة. انتبه كيبل إلى أمر مخيف حقا يتجلى في كون عدد كبير من الذين يقيمون في المدن العربية يجهلون عنها كل شيء وتبقى جغرافيتها غريبة عنهم «ثقافيا». ورغم أنهم محسوبون عليها ويقضون في شوارعها سحابة يومهم، إلا أنهم لا يحسون بأي انتماء إليها، ولا يشعرون بأي روابط تربطهم بها.
إن الأمر نفسه يعيشه عدد كبير من سكان البيضاء مثلا، ومن فرط من نراه بِتنا على ما يبدو لا نراه، ونحتاج إلى عين أجنبية لتلتقط هذا الوضع النشاز الذي لا تعترف به الإحصاءات الرسمية التي لا تأخذ في الحسبان حقيقة علاقة الكائن المغربي بالمدينة، فهي تعتبره «حضريا» لأنه يقيم بين جدران المدينة حتى وإن كان يعيش على هامشها ثقافيا، بل وخارجها وجدانيا وسلوكيا.
بهذا المنطق الحسابي أظهرت نتائج الإحصاء العام للسكان بالمغرب أن 60 في المائة من سكان المغرب يعيشون في المدن، أي أن ثلثي المغاربة، الذين وصل عددهم الآن إلى حوالي 34 مليون نسمة، صاروا «حضريين».
مبدئيا، يفترض أن يبعث هذا الرقم ما تيسر من اطمئنان في النفس لأن سكان المدينة كانوا عبر التاريخ مشتل الأفكار الجديد.. كانوا دوما منطلق التغيير المجتمعي وحتى الحضاري الحقيقي.. كانوا دائما يرحبون بكل ما هو جديد، على عكس أهل البادية الذين يميلون أكثر إلى «المحافظة»، ويتوجسون غالبا من كل مستجد، ويفضلون الارتكان إلى نظام حياة لها إيقاع رتيب ومضبوط.
ولكن الواقع يختلف عندنا كثيرا، فالمدينة ترتبط بالفرد، والكائن المغربي في عمومه لم يرتق بعد إلى هذه المرتبة، ومازال يُنظر إليه (وينظر هو إلى نفسه) على أنه مجرد لبنة من لبنات الجماعة، ومازال وجوده رهينا. ومازالت علاقته بالمدينة في الغالب يشوبها الكثير من التنافر المتبادل، وبالكاد يتحمل واحد منهما الآخر.
إن الكائن المغربي في عمومه لا ينظر إلى المدينة على أنها فضاؤه فيقبل عليه ويحاول التعرف عليه بعمق، بل يرى فيه «وحشا عدوانيا» لا يمكن الاحتماء منه سوى بعدوانية مماثلة أو «غولا» لا يمكن اتقاء شره إلا بالانزواء في «مجرى ثابت» لحياته (مثلا: العمل، فالمقهى أو البار أو المسجد، ثم البيت.. وهكذا دواليك). هكذا يعيش على هامشها (جغرافيا ووجدانيا) ولا تربطه بها سوى ضرورات العيش اليومي.
أما المدينة من جانبها، فلا ترى في هذا الكائن سوى دخيل غير مرغوب فيه، وبالتالي، فلا يوفر له القائمون عليها (وهم في الغالب ليسوا كائنات حضرية) الوسائل الضرورية لاحتضانه وإدماجه في فضائها (أحياء قابلة للحياة.. حدائق.. مرافق ثقافية، ملاعب..إلخ).
وهذا ما يجعلني متوجسا، بدل أن أكون متفائلا، من هذا التحول الديمغرافي لأنني أخشى ألا ينتج، في ظل الأوضاع الحالية، وفي ظل التوتر الكبير بين الكائن المغربي والمدينة، سوى العنف بكل أشكاله، ولعل ما نرى في شوارعنا مقدمات تُنذر بما هو أسوأ.