في صبيحة يوم بارد وممطر تعرفت بالصدفة على شاب يمني في إحدى مقاهي مدينة إسطنبول التركية، وقبل التحاقي بقاعة المؤتمر الملتئم في فندق مجاور، دار بيني وبين هذا الشاب حديث شيق وعميق حول اليمن وأحوال ناسها والمستقبل الذي ينتظرها..، كان ذلك يوم الاثنين 23 مارس 2015، أي قبل انطلاق «عاصفة الحزم» بثلاثة أيام.
يتميز الشاب بخلفية تعليمية وعلمية عالية، فهو مهندس في صناعة البترول، ويدير شركة نفط في إحدى دول الخليج العربي، وينتسب إلى عائلة يمنية ذات مكانة اجتماعية وسياسية بارزة. والحقيقة أن حديثي معه، الذي تجاوز الساعة، قرّبني من صحة هذه المعلومات التي جاءت على لسانه، وأقنعني بتماسك أفكاره وعمق نظره لما يجري في بلده.
سألته أولا عن أبعاد الصراع الدائر في اليمن، وهل سيُفضي إلى تمزيق وحدته في ضوء التطورات التي أوقفت استمرار اشتغال مؤسساته الشرعية، وفي مقدمتها مؤسسة الرئاسة؟ كان جوابه بالنفي، ثم استطرد يستحضر تاريخ تعايش اليمنيين، ورفضهم الجماعي التدخل الخارجي بكل أشكاله. والواقع أن ما فهمت من استحضاره التاريخ أن المشكل ليس بين اليمنيين، بقدر ما هو نابع من تدخل الآخرين في اختيارات اليمن وأحوال أبنائه، وتابع قائلا: من لم يفهم تاريخ اليمن لن يستطيع تقدير كلفة التدخل بكل أنواعه. وحين أشرت إلى ما يبدو مشكلا مذهبيا في الصراع الدائر في بلده، أجابني بأن اليمنيين ظلوا متعايشين على تنوع مذاهبهم وطوائفهم وولاءاتهم، وأن ما يحصل من اقتتال باسم المذهبية، هو دخيل على اليمن العميق، وأن للغير مسؤولية في تأجيج نيران الصراع على أرض بلاده.
أوصلني السؤال أعلاه إلى سؤال آخر مكمل له ومرتبط به، يتعلق بـ «جماعة أنصار الشريعة» التي يقودها الحوثيون. كان جوابه أن هذه الجماعة لم تنشأ نتيجة طلب اجتماعي، ولا يد للمجتمع في ميلادها واستمرارها..وحين طلبت منه تفسير تصاعد قوة هذه الجماعة ووصولها إلى حد إيقاف المؤسسات الشرعية في البلاد، كان جوابه: لولا الدعم الخارجي، والإيراني تحديدا، لما استطاعت فعل أي شيء، ثم أضاف موضحا: أن «الحوثيين» لم يكونوا لعبة في يد الإيرانيين فقط، بل كانوا أداة لكسر شوكة الإسلاميين سابقا، وقد وظفتهم دول إقليمية لخدمة الغرض ذاته. أما تحالفهم مع الرئيس المخلوع «عبدالله صالح»، فسببه واضح، إفشال مشاريع التحول السياسي السلمي في اليمن، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه من قبل.
دار حديثنا، أيضا، حول مبادرات السلام التي عرفتها اليمن، سواء من قبل الأمم المتحدة، أو من لدن دول الجوار، أي مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي. فكان رأيه أن ثمة جهودا كبيرة بُذِلت من أجل تيسير انتقال اليمن سلميا، وقد أنتجت حوارا وطنيا رعته الأمم المتحدة، وشاركت فيه جل القوى اليمنية وأكبرها تأثيرا في الحياة السياسية اليمنية، وكان من الممكن أن يوصل إلى توافقات حقيقية من شأنها إنجاح الحراك السلمي اليمني، غير أن ذلك لم يُسمح له بالذهاب بعيدا في بناء التأييد.. وعلى الرغم من تركيز هذا الشاب على الجهود المبذولة في هذا الاتجاه، فقد توقف عند الفجوات التي انطوت عليها مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي، والتي قد تكون في تقديره ساهمت بشكل ما في تيسير ظروف عودة العنف إلى اليمن.
استحضرت بعض ما دار في هذه الدردشة، التي جاءت صدفة، لأخلص إلى أمرين اثنين: يتعلق أولهما بقدرة اليمينيين على الاستمرار موحدين، متعايشين، غير متأثرين بما يمكن أن يقسمهم باسم المذهبية، أو الطائفية، أو الولاء لغير بلدهم ودولتهم، ومؤسساتهم الشرعية. ويخص الثاني بأحقية اليمنيين في أن يعيشوا متحررين من أي تبعية لأي ولاء.. لذلك، تحتاج اليمن إلى دعم فعلي لاستعادة تعايشها، وشرعية مؤسساتها، وسلمية حراكها، كي تتحول إلى بلد قوي بدولته، ومدعوم بعدالة مؤسساته.