سي عبد الهادي التازي.. الرجل الموسوعي

07 أبريل 2015 - 00:08

رحل إلى دار البقاء شيخ المؤرخين الأستاذ عبد الهادي التازي، وبوفاته يكون المغرب قد فقد عَلماً أغنى البحث العلمي عموماً، والبحث التاريخي على وجه الخصوص، بمؤلفاته، وبحوثه، وآرائه الموسومة بالشمولية، والإحاطة، وعمق النظر.

لم أتعرف بشكل مباشر على الفقيد إلا قبل أربع سنوات، حدث ذلك حين شاركنا في مؤتمر علمي في مسقط بسلطنة عُمان. غير أنني تعرفت عليه منذ سنين من خلال كتاباته الغزيرة، وعبر حواراته، وتصريحاته، ونشاطه العلمي الدؤوب.

من جالس الفقيد عبد الهادي التازي، واستمع إلى أحاديثه، يُذهل لموسوعية هذا الرجل، وقدرته على التطرق لأكثر من موضوع، والإبحار في أكثر من اتجاه. وتُذهلك أكثر قدرته على تذكر موضوعات حديثه بأدق تفاصيلها، وسلاسة كلامه، وبلاغة لغته. تحضرني، وأنا أسرد مناقب الفقيد، تلك اللحظات التي جمعتنا به أنا والصديق سعيد بنسعيد العلوي في غرفته في فندق المؤتمر المشار إليه أعلاه. فبطلب منه قمنا بزيارته، لنجد أنفسنا أمام عالم جليل، متواضع في مجلسه، وديع في كلامه، وغزير وعميق في أفكاره. وأذكر كيف تحدث لنا عن تجربته في العراق حين كان سفيرا للمغرب، والسياقات العربية التي عاشها وعايش تطوراتها، ولعل أشد ما يشدك إلى هذا الرجل صفاء ذاكرته، ودقة استحضاره للوقائع والأشخاص، والأمكنة، وكل ما له صلة بمروياته.

لم يكن في مكن سي عبد الهادي التازي امتلاك مثل هذه الصفات وغيرها من المناقب التي يصعب حصرها، لو لم تتوفر في شخصيته سمات الرجل العصامي، المشبع بروح البحث، والاجتهاد، وخصائص الإنسان المحب  لوطنه، والغيور على مقومات بلده. فعلاوة على تكوينه في جامعة القرويين، وتخرجه من رحابها، وكتابته عن إصلاحها، انفتح الرجل على الثقافة العصرية، ونهل من مصادرها، واستلهم الكثير من مناهجها. ومثل الكثير من أبناء جيله، امتلك سي عبد الهادي التازي تكويناً موسوعياً، عز أن نجد نظيراً له اليوم. لذلك، لا يستطيع قارئ متونه رسم حدود لدائرة تكوينه، بل لا يقدر على وضعه في خانة حقل معرفي بعينه.. إنه متعدد الاهتمامات، ومتنوع الاختصاصات والمجالات المعرفية، وإن عُرف عليه شغفه بالتاريخ والدبلوماسية.

فموسوعيته قادته للكتابة عن أشياء نادرة وطريفة في الآن معا..بل أحيانا بحث في مواضيع يصعب طرقها، أو ابتغاء النظر فيها. وقد جهد، دون ملل أو كلل في متابعة قضية أو موضوع، مهما كلفه ذلك من جهد وثمن. لذلك، كانت أسفاره، ورحلاته طلبا للعلم، والتماسا لسُبله، غير منقطعة، وربما لم ينل الكثيرون قدر ما نال الفقيد من متعة الأسفار ومشاقها في الآن معا. كما لم يسمع عن مخطوطة أو وثيقة إلا وعمَد، دون تردد أو ضيق، إلى الكشف عنها، واستقراء مضامينها، وتوظيف محتوياتها.. وكم كان شغفه كبيرا لتاريخ المغرب، والتاريخ الدبلوماسي على وجه التحديد.. فقد حاضر عنه شرقا وغربا، وحقق وثائقه، وكتب وألف عن مراحله، وترك رصيدا من الكتب والمراجع تشهد عن جهوده المنتظمة في هذا المجال.

من مناقب الفقيد سي عبد الهادي التازي، دفاعه عن تراث المغرب ورصيده التاريخي والثقافي، بل استماتته من أجل تقديم المغرب بلد الكفاءات والإنجازات والقدرات غير المتناهية.. وبفرط حبه لبلده وتاريخه، يُخيل إليك وكأنه يبالغ، أو يضخم الأحداث والوقائع، والحال أن معِينه العميق في معرفة المغرب وتاريخه، هو الذي أسعفه في تقديم صورة عن بلده، قد تظهر بما يكفي من الجلاء لدى الكثيرين، مغاربة وأجانب.

إن مناقب الفقيد كثيرة، وعطاءاته جمة، ورصيده كبير..تغمده الله بوافر رحمته ..وإن لله وإليه راجعون

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.