صابون الروح

25 أبريل 2015 - 00:35

عرفت تلك «المغربية» التي «تسرق من ليالينا القمر»، وسمعت بصوت عبد الحليم حافظ، «بلدنا» وهي «في الترعة بتغسل شعرها»، قبل أن أسمع عن عبد الرحمان الأبنودي، وحتى قبل أن أتعرف على صوره، ربما، بسنوات. وظلت هذه الصورة، وصور أخرى كثيرة، حاضرة في الذاكرة وحية في مسام الجسد، قد تتوارى أمام الحروب اليومية الصغيرة المنهكة التي لا تكاد تنتهي، ولكنها تعود لتغمر الروح مثل موجة خرافية لا تسخى برذاذها المنعش عن أحد.

لما وصلني خبر وفاة الأبنودي، الذي أنهى حياته بدون رئة تقريبا، تذكرت عبارة فاه بها أحد المغنيين الشعبيين التقيته صدفة رفقة بعض الأصدقاء ذات ليلة في مدينة ورزازات. قال لنا هذا المغني الزاهد إن الفرح هو «صابون الروح» بعدما أحس بانزياح أثقال اليوم القائظ عن كتفيه وشعر بالانشراح يدب في أوصاله ويفيض على ملامحه، لثنائنا على أدائه الصادق والدافئ.

عند الأبنودي كانت الكلمة، الفرِحة والألِيمة، هي هذا الصابون الخرافي  الذي أمرره على روحي فأحسها منشرحة أو حزينةً، ولكن في كل الحالات كانت تعتريها خفة خاصة، لا أستعيد بعضا منها سوى عندما أنصت إلى «ناس الغيوان» أو «كناوة» أو «البلوز». قد يفلت مني معنى بعض الكلمات، التي يستقيها من المعجم الصعيدي، ولكن وقعها لا يخطئني، أنا المختبئ هناك في عقر نفسي مثل الجنين الذي يحتمي بماء رحم أمه.

والغريب أن هذا الشاعر كتب أشعاره الأولى باللغة العربية الفصحى، ولكنه لما حملها بين يديه وفي ثنايا صدره وراح يلقيها على أبناء قريته أحس، كما قال ذات مرة، بجدار زجاجي خفي يمنعه من التواصل معهم، ويحول دون نفاذ كلماته إلى أعماقهم. ومنذ ذلك الحين قرّر التحرر من سجن اللغة الفصحى وراح يكتب بلغة أخرى.. لغة مثل ماء سحري، تنفذ إلى عمق الجميع، من يقرأها، وبالخصوص من يسمعها. راح يكتب بلغة يجلب ماء مفرداتها من بئر خرافية عميقة تسكننا جميعا، ويرميها في بئر أخرى سحيقة، أيضا، حيث تسكننا كذلك. وهناك تظل كامنة. ومرة مرة نتذكرها، أو بالأحرى نتذكر ذلك الإحساس الفريد الذي أوقدته فينا.

أحس دائما أن منبع هذا الشعور الفريد، الذي يظل في النفس مثل وشم طرفة بن العبد، يكمن في كون الأبنودي استطاع بلغته الخاصة، (مثل شعراء وكتاب قلائل آخرين) أن يرفع الحياة البسيطة للناس العاديين المغمورين المنسيين إلى مراتب الملامح. فأنا أحس أن «يامنة»، في القصيدة التي تحمل الاسم نفسه، ليست بأقل من «سيبيل»(SYBILLE) في الأسطورة الإغريقية؛ وأن «الأسطا حراجي القط» في مراسلاته ليس أقل من «عوليس»؛ وأن زوجته فاطمة ليست أقل من «بنيلوب» فكلتاهما تنتظران عودة رجل من رحلة كانت لها بداية ولا أحد يعرف لها نهاية؛ وأن ناجي العلي في «موت على الإسفلت» ليس أقل من هرقل؛ وأن شهيد في «أحزان عادية» ليس أقل من المسيح.

فلم يكن الأبنودي مشعوذا يبحث عن الشعر في قراءة النجوم، ولا كان ساحرا يخرج أرانب الشعر البيضاء من قبعته السوداء، بل كان من طينة أولئك الشعراء الذين لهم تلك العين الفريدة، القادرة على رصد «كنوز الشعر في طينة الحياة»، كما قال محمود درويش مرة. وهو لا يمنحنا تلك الكنوز لأنه يعرف أننا سنضيعها كما يضيع الأطفال لعبهم، بل يحقننا بها دون أن نشعر بوخز الإبرة مثل ممرض متمرس، لتظل فينا وتنظف روحنا مثل ذلك «الصابون السري».. مثل تلك «المغربية» التي تسرق من ليالينا القمر…

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.