السّحرة!

28 أبريل 2015 - 23:49

«يشيع الآن استدعاء السحرة من المغرب لِفَكِّ الطَّلاِسم وقراءَة التَعاويذِ، والتَّعْزِيم عَلى العَالِم الخفي لِتَفْتَح الأبواب الموصدة، ويُطْلق البَخور وتُحْرَق التَّمَائِمُ وتذْبَحُ الأضحيات على روؤس المقابر حتى تنفتح السِّكَكُ المفضية إلى الكنوز المستقرة مُنْذُ آلاف السنين في قبور المِصريين وهِي تَنْتَظرُ صَاحِب السَّعد والنَّصيبِ!!»

بهذه الفقرة ختم الكاتب المصري سعيد الكفراوي مقالته المنشورة بجريدة القاهرة عدد: 773 بتاريخ 14/4/2015!!

لم يَكْذِب الرجل، فإذا كان الديك عندنا يرَقَص بِجَامَعِ الفَنَا على الدقة المراكشيَة، لِيَكْتَشِف السائح الأجنبي أن الحَاِوي وَضَع صِحنا سَاخِنًا ارتَعَشَت بِسَبَبِهِ رِجلاَ الحيوان، وضاعت أموال المشتري. فلا غرابة أن نُصَنَّفَ في ترتيب السحرة من الرواد!!

وقد سألت عَوْنَ المحكمة ـ زَمَنًاـ عن سَببِ تَعُّرضِ الكَرَاسِي الجِلْدية للقضاة بقاعة الجلسات للِتَّمْزِيقِ، فتلعثم وقال:

ـ «إن المشعوذين والدَّجَالِين بهذه المنطَقَة يطلبون من المتقاضين البسطاء أن يأتوهم بقطعة جلدية من كرسي القاضي ليَقْرؤوا عليها «ويُبَخِّرُونَهَا» حتى تَصْدُر الأحْكَامُ لفائدتهم»، فسألته: «وهل فعلا يتحقق ذلك»، ابتسم الرَّجُلُ ولم يجب، وكذلك كانوا يتعَامَلُونَ مع التراب المحيط بالمحكمة، إذ كانوا ينقلونه للدّجَال لدراسته في مختبر سِحْرِيّ لتحقيق الغاية!!

نَحْن فِعلا سَحَرة، والنتائج المذهلة التي تتصدر قوائم أي استحقاق عِنْدَنَا تعكس ذلك!

ـ والالتصاق بالكرسي إلى أبد الآبدين يَعْكِسُ، أيضا، هذه القَاعِدَة.

ـ والإقبال المنقطع النظير علينا من دول المعمور يُبَرِّرُ نجاعة هذا المفعول السحري. وقد يَقع اسْتِبْلاَدُنَا، عندما لا يترشح أي بلد لِكُرْسِي مّا حتى يقع استنزافنا مَاديّا وَمَعْنَويا، فترتفع أَلْسِنَةُ الفرح الغّبي بِنَجَاحِنَا وقد نَفُوزُ بإيواء تظاَهُرة مَّا، وَيُفَضِّلُ غيرنا ـ الذّي يُصِّر خفية على الرغبة في الاصْطِياف بِمُرَاكش أو أكَادير أو طنجة الرُّسُوبَ بَدَل النَّجَاحِ في اسْتِضَافَةِ الكرنفال بِبَلَدِهِ !!

ـ واليد الحانية، والإشْفاق، وتَخْفِيفُ العِقَاب، والذهول الذي يُبْهِر المنظومة الدولية فلا تفقهُ مما يدُور حولها شيئا يُعَزِّزُ مقولة «بَرَّقْ مَا تَقْشَعْ».

ـ وقد فوجئت المُنَظِّفَةُ ـ زَمَنًا ـ عندما كانت تفرغ مَكْتَب قَاضٍ انتقل للعمل بمرفق آخر بترسانة الأحْجِبَةِ التي كان يضعها في كل ركن من أركان المكتب لضمان القبول من رؤسَائه !!

وكذلك يفعل كبار القوم الذين يتَسَولون الفأل والسَّعْدَ من الأحجبة والتمائِم. السِّحر في بلدي لا علاقة له بالتَّمَائِمِ والأحجبة والتعاويذ، هو عملية نصب مُفَبْرك واحتيال ومكر خادع، هو نشل للأوراق المؤثرة في المراكز الوظيفية.

ـ وهو إِذعَانٌ وتنصّت واسْتِمَالة وإغْراءٌ وتحرش!!

هو أمْرٌ ونَهْيٌ وقبولٌ وتَسْلِيمٌ!!

ـ هو معركة خفية تدور رَحاها خارج الثوابت والأسس ومعايير تَكَافُؤ الفُرَصِ. هو كل هذا وأكثر مما أقول، بهذه الأساليب يسمى الاستغفالُ سِحرًا:

فَعْنِدمَا ينجح الفاشل، ويُعْتَمَدُ الكَسُول ويصبح الضوء ظلاما!!

وعندما يَخْتَلُّ التوازن بشكل غير مقبول وغير منطقي أليس لِسحرِ السحرة تأثير!!

في أحد الاستحقاقات الانتخابية لم يكتف أعداء أحد المرشحين بعدم التصويت عليه، بل إننا أثناء فرز الأوراق لم نجد الورقة التي صَوّت بها، هي بدَوْرِهَا اختفت بيد ساحر فَحُرِمَ حتى من التَّصْويتِ حتى على نفسه!!

هذه الغرائب والعجائب والمعجزات، هي عملية إنسانية يجتمع فيها الدهاء والمكر والنصب «والعَاِمرُ في الخَاوِي» فتتحول النتائج إلى ما يشبه الطلاسم!!

لدينا موروث ثقافي وموْرِد بشري يعزز منظومة السحر، فالذين يُجَمِّدُونَ الماء، ويُرقِّصون الديكة ويلعبون بالبيضة والحجر، وبالوَرَقَاتِ الثلاث، الحُواةُ وآل السَّمَاوي، بفضلهم نتبوّأ هذا الترتيب الجيد في معظم الاستحقاقات الوطنية والقارية، وهو مَا حذا بِمِصر على لسان كاتبها سعيد الكفراوي أنْ تَسْتَعِينَ بِسَحَرتِنَا للتنقيب على كنوز الفراعنة بين القبور.

فَطوبَى لَنَا بِهَذِه المَرْتَبَة!!

رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

[email protected]

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.