صلاح بوسريف
كان محمد مفتاح الفيتوري، أحد الشعراء العرب المعاصرين الذين انتقلوا من الكتابة بنظام الشطرين، إلى نظام التفعيلة. فهو، بحكم دراسته التقليدية، بالأزهر، والوسط الذي عاش فيه، وجد نفسه، مرغما على معرفة «الأصول»، ليس في الشعر فقط، بل حتى في ما تفرضه هذه المؤسسة من معرفة بالشأن الديني. ولعل طبيعة الفيتوري الثائرة والقلقة، وما كان يتسم به من غليان داخلي، ومن إحساس بالضيق، ورغبة في التحرر والانطلاق، هو ما دفع به لخلع «العمامة» التي كانت تضيق على جسمه، وعلى نفسه، والخروج من هذا «السجن» الذي بدا له أنه يقيد حركته، كما يقيد كلامه، ويقيد قلقه أيضا، أو يحجمه، بالأحرى.
هذا الانسلاخ من النسق القديم، رغم أنه بقي حاضرا في تجربة الفيتوري، وظلت «الأصول» حاضرة، بصورة أو بأخرى، في شعره، فهو كان، في فكره، وفي رويته، يميل إلى التحرر، وإلى الصراخ الحاد، في كثير من الأحيان، ضد كل أشكال العسف، والظلم، والاستبداد، رغم أنه لم يحقق، في ثورته ضد نظام النميري، مثلا، المسافة الكافية التي تجعله شاعرا متحررا بالكامل من قيد الأنظمة التوتاليتارية.
بقدر ما كان الفيتوري، إلى جانب بعض الشعراء السودانيين، الصوت الذي صرخ في وجه الاستعمار، والميز العنصري، وضد القهر والاستفراد بالسلطة، فهو كان، شعريا، يتكلم باللسان العام، الذي كانت تجربة «الرواد» في الشعر المعاصر، تعتبره لسان اللحظة الراهنة، آنذاك. رغم ذهابه إلى التجربة الصوفية في ما بعد، والتي أبدع فيها نصوصا ذات أهمية خاصة، في تجربته، وبما حققه فيها من استفراد، قياسا بنصوصه السابقة، ذات المنحى النضالي، أو السياسي المباشر، فهو ظل مقيما في هذه «الأصول» التي لم يستطع القطع معها كليا.
ولعل في علاقته بمصر، ولقائه بعدد من شعرائها الرومانسيين، وتأثره بهم، وبشعراء من الجيل الرافض للنسق التقليدي، ممن سموا بالرواد، أتاحت له أن يكون واحدا من الذين اعتبروا التفعيلة بديلا، أو هي الخيار الممكن لـ «الثورة» ضد القصيدة العمودية، أو قصيدة الشطرين. في حين أن هذا البقاء في سياق التفعيلة، كبح، ما كان الفيتوري يرغب في تحقيقه من خطو إلى الأمام. وهذا ما جعل لغته، تبقى، بدورها، أسيرة هذا الأفق، وأسيرة رؤيا، ربما، بقيت سماتها الأساسية، غالبة على تجربته، وعلى تجربة الكثيرين، من هؤلاء الرواد الذين لم يقدموا على توسيع خطوهم بما يكفي من جرأة، وهذه، كانت، بدورها تقليدية أخرى، تتأسس، في سياق «ثورة»، أو جمر بقي كامنا في الرماد.
سيبقى محمد مفتاح الفيتوري، واحدا من الشعراء العرب الذين وضعوا الشعر العربي في سياق تحرره، وسيبقى، مثل عبد الصبور، وبلند الحيدري، وشادل طاقة، وعبد المعطي حجازي، رغم فرق التجربة، بين من فتحوا طريقا في الشعر المعاصر، في ما الطرق توسعت، بما صعب الخرق على الراتق.