تعتبر الكتابة، بالنسبة إلى الكثيرين، حلم حياة، ذلك أن الكثيرين مازالوا ينظرون إلى إبداع عمل أدبي أو إنجاز بحث أكاديمي بمثابة عمل نبيل ومحمود. غير أن هذه النظرة الاجتماعية النبيلة لا تنعكس، من الناحية المادية، بالإيجاب على واقع الكتّاب الحياتي. ذلك أن تقرير دراسة ميدانية، نشرت صحيفة «تيليغراف» البريطانية بعض نتائجها على صفحات عدد الاثنين الماضي، يسلط الضوء على الحقوق المادية الهزيلة التي يتلقاها الكتّاب مقابل كتاباتهم، ومن ثمة معاناتهم المعيشية المتردية.
تقول الدراسة، التي أجرتها جامعة الملكة «ماري» في لندن، إن واحدا من عشرة كتّاب فقط، يمكنه أن يوفر قوت يومه من مردود الكتابة المادي. وتشير إلى أن هذا الرقم انخفض بنسبة 40 في المائة مقارنة مع ما كان عليه الأمر قبل عقد من الزمن. كما تورد أن الكاتب المهني المحترف قد يكسب 11 ألف جنيه استرليني خلال السنة الواحدة، أي أقل من متوسط الدخل، مشيرة إلى أن 5 في المائة فقط، من الكتّاب يحصلون على 42.3 في المائة من مجموع المداخيل التي يكسبها الكتاب المهنيون، بينما توصلت إلى أن هذه المداخيل تبقى ضعيفة جدا بالنسبة إلى الكتّاب الذين يختصون في مجالات غير مجالات التخييل والبحث الأكاديمي.
وترجع الدراسة، التي شملت 2500 كاتب، أسباب تراجع المداخيل الناتجة عن هذه المهنة، حزئيا، إلى تغير معايير النشر، حيث لاحظت أن الناشرين لم يعودوا يقبلون نشر أعمال الكتّاب الجدد، مسجلة أن «الكتابة تبقى، بالنسبة إلى أغلب الكتّاب، مهنة لا تدر مداخيل كثيرة. ففي هذا السياق، كشفت أن 17 في المائة من الكتّاب لم يكسبوا مالا خلال سنة 2013، رغم أن 98 في المائة منهم نشروا كتابات جديدة خلال السنة ذاتها أو الفترة القصيرة التي سبقتها. غير أنها توصلت إلى وجود كاتبات يكسبن 80 في المائة أكثر مما يكسبه الكتّاب.
ماذا عن واقع الكتّاب الفرنسيين؟ تورد صحيفة «لوفيغارو»، بناء على ما يفيده التأمين الاجتماعي للكتاب والمترجمين والرسامين، أن 40 في المائة من الكتاب فقط، يعيشون مما تدره عليهم أقلامهم. كما تشير أرقام هذه المؤسسة إلى أن أقل من 1700 كاتب أعلنوا أن مداخيلهم تزيد عن 7300 أورو سنويا.
من هنا، يشير عالم الاجتماع «برنار لاهير»، في كتاب نشرته دار «لاديكوفيرت» منذ بضع سنوات بعنوان: «الوضع الأدبي»، إلى ظاهرة «الحياة المزدوجة» عند الكتّاب. إذ يؤكد من خلالها أن أغلب الروائيين وكتاب المقالات يمارسون مهنة أساسية مؤدى عنها، بالإضافة إلى مهنة الكتابة، التي قلما تدر دخلا قارا. هكذا، وبحسب دراسة «لاهير»، فإن 98 في المائة من الكتاب الذين نشروا مؤلفات يمتهنون مهنة أخرى، وإن كان لها رابط ما يصلها بالكتابة.
أما بالنسبة إلى أولئك الذين يحلمون أن يصبحوا كتّابا، فإن المجال يحمل بين طياته واقعا متناقضا: قلة قليلة من الروائيين فقط، تعيش في نعيم ما تُدره أعمالهم، خاصة أصحاب المبيعات القياسية؛ بينما لا يجني آخرون إلا ما يتقاضاه موظف بسيط خلال الشهر الواحد؛ أما الأغلبية، فهي تعيش وضعا هشا جدا. ذلك أن مبيعات الكِتاب الواحد، خاصة في مجال الرواية، نادرا ما يتجاوز 100 ألف نسخة، بحسب ما تكشفه الأرقام ذاتها.