نوَاح البوم

02/05/2015 - 01:15
نوَاح  البوم

تذكرت «ناس الغيوان» وهم يصدحون بذلك المقطع الذي يخِز النفس مثل إبرة خرافية، «في بلد العربان.. نواح البوم». تذكرت هذه الكلمات وأنا أسترجع مع بعض الأصدقاء بعد زوال الثلاثاء الماضي ما جرى في مجلس النواب من تراشق لفظي حوّل هذه المؤسسة إلى ما يشبه واحدا من تلك الأسواق العشوائية التي تؤثث كل مدننا. وبدل التراشق بالأوزان، كما يحدث عادة بين الباعة الجائلين في هذه الأماكن المرتجلة، رمى رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، والبرلمانيين بعضهم بعضا بكلمة لا يقل وزنها عن ثقل تلك «الكيلوات» وهي «السفيه» ومشتقاتها.

لا أعرف لماذا تذكرت ذلك المقطع الأليم من أغنية «ضايعين» لـ»ناس الغيوان» بالضبط، مع العلم أنني لم أر بومة في حياتي سوى في الصور (الثابتة والمتحركة). ربما لأن نواح البوم ارتبط في لاوعيي، ولا وعي كثيرين مثلا، بالخراب والشؤم. وما جرى الثلاثاء الماضي في الغرفة الأولى يعكس فعلا ذلك الخراب السياسي الذي صرنا نتحرك بحذر شديد بين شظاياه، ونتوقع أن تصيبنا إحداها في أي لحظة.

ولا أدري إن كان البرلمانيون ورئيس الحكومة، على حد سواء، يدركون المعنيين، اللغوي و»الشرعي» لكلمة «سفيه». لكن الأكيد أن الطرفين أفلحا على الأقل في الاتفاق على تحقيقهما معا وفي اللحظة نفسها، بل إن كل طرف بذل كل الجهد ليكون أكثر تجسيدا لهذين المعنيين.

فحسب المعاجم تفيد لفظة «السفيه» الجهل وخفة العقل والطيش وحتى الوقاحة، أما في «الشرع الإسلامي» فالكلمة تطلق على من يسرف في صرف المال بدون عقل وفي أمور تافهة لا تعود على أحد بالنفع.

وقد أتحفنا النواب الذين ابتُليت بهم هذه الأمة وكذا رئيس الحكومة بكثير من خفة العقل وقلة الرزانة، بل وأسرفوا في إغداقهم علينا طيلة الدقائق الطويلة التي استغرقها الاشتباك اللفظي، والتي أيقظت في ذهننا صور الاشتباكات السابقة التي لم يكن تخلو منها أي جلسة يحضرها بنكيران من جلسات الغرفتين في إطار المُساءلة الشهرية.

وأسرف هؤلاء كلهم، من ناحية ثانية، في الكلام الذي يبدو بدون مغزى ظاهريا، ولكنه يحمل في ثناياه الكثير من المعاني المؤلمة، لأنه يعطي فكرة عن الخفّة التي لا تُحتمَلُ للطبقة السياسية الحالية في البلاد. ويكشف أن ساستنا لم يبلغوا بعد درجة النضج التي تسمح لهم بالارتقاء إلى مرتبة «حفظ اللسان»، كما يقول العرب.. إلى تلك المرتبة التي تصبح فيها السياسة هي «فن الصمت المتكلم»، كما يقول المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي.

وفوق هذا وذاك، فما جرى (وما يجري منذ مدة) في مجلسي البرلمان يكشف عن تصور مغلوط للديمقراطية يجعلها رديفا للفوضى والحال أنها، عند كل كبار منظريها، تروم عكس ذلك تماما.. فهي تهدف إلى ضبط العلاقات بين مختلف مكونات المجتمع والدولة.

إن ما حدث الثلاثاء الماضي يبين أن السياسي المغرب مازال يتعامل مع البرلمان، على أنه فضاء عنيف ومتوحش ولا ضوابط فيه، تماما مثل البدوي الذي يعتبر الفضاء المحيط به منبع خطر دائم، فضاء لا تخلو سماؤه من «نواح البوم».

شارك المقال