عبد الله حمودي:
سبق لي أن كتبت في موضوع تعليم اللغات، وذلك في إطار المناقشات الجارية في البلاد حول إصلاح منظومة التربية والتكوين. ومعلوم أن هذه المنظومة تشمل جوانب عديدة يجب على كل إصلاح جدي أن يحيط بها بالتحليل والاستشراف، واللغة جانب حيوي من هذه الجوانب.
هناك نقطة أساس أعود لتأكيدها ألا وهي الأفق الاستراتيجي لتعليم اللغات. تظهر هذه النقطة وكأنها من البديهيات، لكن الحقيقة عكس ذلك. لهذا فقد غاب الأفق الاستراتيجي في تاريخ التعليم عندنا. ونجد الأمثلة عن ذلك في الماضي والحاضر. مثال أول يتمثل في التعريب المرتجل الذي أقدمت عليه حكومات سابقة، وها نحن اليوم نعاني من مخلفاته التي تعتبر من أسباب أزمة القطاع برمته، أي تبني التعريب في غياب تام للأفق الاستراتيجي. واليوم، نرى غياب ذلك الأفق في النقاشات الدائرة، حيث تتحكم العواطف والأغراض السياسوية. فما هو الأفق الاستراتيجي وكيف نبني تحركنا على أساسه؟
الأفق الاستراتيجي يكمن في تمكين لغات الهوية من احتلال درجة الأولوية في منظومة التربية والتكوين. هناك في بلادنا لغتان رسميتان بمقتضى الدستور، وهما لغتا الهوية: اللغة العربية واللغة الأمازيغية.
فيما يخص اللغة الأمازيغية، يتعين على أصحاب القرار العمل على تعميمها في جميع المجالات، وعلى كل المستويات، حتى تتبوأ المكانة اللائقة للغة رسمية هي في الآن نفسه لغة الهوية، بالنسبة إلى عنصر مكون لشعبنا.
أما فيما يخص اللغة العربية، فإن ذلك التمكين، وهو الأفق الاستراتيجي، يملي علينا، اليوم، الحذر الشديد لكي لا نسقط في متاهات الماضي أو نطرق أبوابا مسدودة. للتمكين، في هذا الباب، جانبان: الأول هو التعليم المعقلن للغة في جميع مستويات التربية، خاصة منها الابتدائي والثانوي بسلكيه الإعدادي والتأهيلي، والنهوض بها في التعليم العالي فيما دراساتها والاهتمام بتاريخها وآدابها.
يبقى الجانب الثاني، هو التعلّم باللغة العربية. في هذا الباب، يبقى الأفق الاستراتيجي هو تأهيل اللغة العربية كي تكون أداة تعلم جميع المواد دون استثناء. وإن نحن رمنا ذلك بجد وتحر، فإننا سوف نعي أن إعداد اللغة العربية لتعلم العلوم الرياضية والمنطقية والطبيعية والتجريبية، وعلوم الاقتصاد والاجتماع والتسيير والتدبير الراقية، سيتطلب وقتا، وسيكون التعميم على مراحل.
خلال تلك المراحل الإعدادية والانتقالية قد يكون من الضروري تعلم تلك المواد بلغة أجنبية. واللغة الأجنبية التي لها التراكم الأقوى في تلك الميادين وميدان التنمية هي اللغة الفرنسية في حالتنا. فالأفق الاستراتيجي، هنا، يعني اعتماد الفرنسية مرحليا قصد الاستغناء عنها وظيفيا في ما بعد.
خلال المرحلة نفسها، سيكون من المفيد تشجيع تعلم اللغة الإنجليزية التي تحتل اليوم المرتبة الأولى عالميا. وبذلك يصبح من الممكن الاحتفاظ على الرصيد العلمي الموجود اليوم في البلاد وتنميته. وكذلك، فتح الأبواب أمام الطبقات الشعبية لتكوين أبنائها باللغة الأجنبية في الميادين الحيوية تنمويا. وهو ما يفتح لها، أيضا، أبواب الترقي الاجتماعي ويوسع من حظوظ نجاحها الاجتماعي. فلربما سوف نكون، بعد جيل، مؤهلين للاستغناء عن اللغة الأجنبية في تعلم المواد العلمية، حيث تصبح اللغة العربية هي لغة التعلم السائدة على صعيد منظومة التعليم بأكملها.
ولكي تكتمل الصورة، لربما وجب علينا أن نوضح مفهوم الاستغناء عن اللغة الأجنبية. في الحقيقة يجب فهم التحول المنشود على النحو الآتي: في الأفق الاستراتيجي، تصبح لغة الهوية (اللغة العربية في هذا المقام) هي لغة التعلم، وتنتهي إشكالية التعريب.
وفي هذا السياق، تتغير معطيات إشكالية اللغات الأجنبية، ذلك لأنها سوف تحتل مكانها العادي باعتبارها لغات انفتاح على الأرصدة العالمية، تكون لها حصصها في التعليم الثانوي، تتعلمها الأجيال حسب أهدافها وطموحاتها، لأن تلك الأجيال رسخت أقدامها في العربية، وهي منخرطة في البحث والإبداع بلغتها.
إن نحن أخطأنا في تحديد الأفق الاستراتيجي، فربما سنتخذ أفقا نعتقد أنه استراتيجي، لكن ذلك سيكون من باب الوهم فقط. هناك اليوم، أصوات قوية ومحترمة تنادي بتعميم التعلم باللغة العربية بالنسبة إلى جميع المواد والأسلاك. قد يتصور أصحاب هذا الرأي أنهم يخدمون إرساء اللغة العربية واستعادة مكانتها في حياة الشعب، والدفع بالتنمية،…إلخ. لكن العكس هو الذي يكون الأقرب إلى الواقع، لأننا سنكون دون الهدف: هو لغة قوية الرصيد العلمي والأدبي في المستقبل.