تنتهي اليوم (الخميس) القمة الأمريكية الخليجية في منتجع «كامب ديفيد»، في سياق موسوم بتزايد الصراعات الإقليمية العربية، واستمرار المخاوف من النفوذ الإيراني واحتمالات تطوره مستقبلا. ولأن أمريكا لاعِبٌ دولي محوري، يعنيها استراتيجيا المحافظة على مصالحها في الشرق الأوسط، كما يهمها التقدم في حسم الملف النووي الإيراني، فقد قدرت أهمية دعوة قادة دول الخليج إلى واشنطن وبعدها إلى منتجع «كامب ديفيد» لإطلاعهم على فحوى ما تفكر فيه، وتسعى إلى صياغته في المدى القريب والمتوسط.
من حق دول الخليج العربي أن تعبر عن قلقها مما يقع في أطرافها، ومن مصلحتها التفكير في سُبل المحافظة على أمنها الوطني والجماعي. لذلك، لم يُنظر إلى التوافق الأمريكي الإيراني الحاصل مؤخرا في قمة «لوزان» السويسرية، بعين الارتياح، بل، ربما، نُظر إليه كنوع من التخلي الأمريكي عن دعم الأمن الوطني الخليجي، وفُهم كتراجع عن التحالف الاستراتيجي بين الطرفين، أي أمريكا ودول الخليج العربي. لكن، في المقابل، لابد للمرء أن يفهم أن السياسة، بوصفها فعلا بشريا، مبنية، أساسا، على المصلحة، وصيانة المكاسب، وأن المطلوب ليس التعبير عن القلق والتوجس من المقبل وكفى، بل العمل على إعادة التفكير في المصلحة في ضوء التغيرات العميقة التي تحدث ويتزايد حدوثها بانتظام وسرعة. فإيران غدت فعلا قوة إقليمية، على الرغم من كل أشكال الحظر الممارس عليها، ثم إن الرؤية الإيرانية لمصالحها القومية واضحة، ولا يشك أحد في أن الآلة الدبلوماسية الإيرانية تشتغل بقدر عال من العقلانية والفعالية. ثم لابد من استحضار أن ليس لأمريكا أصدقاء بقدر ما لها مصالح تتولد عنها صداقات، وحين تنكمش المصالح أو تزول لسبب أو لآخر، تتخلى عن الأصدقاء.. حصل هذا تاريخيا في أكثر من مكان في العالم.
ثمة ملفات كثيرة مطروحة على القمة الأمريكية الخليجية، أبرزها ما يجري في المنطقة العربية، وتحديدا في سوريا والعراق وليبيا واليمن، علاوة طبعا على مستقبل التوافق الأمريكي الإيراني حول الملف النووي، وما خلق من توجسات من قبل دول مجلس التعاون الخليجي. فهل تستطيع أمريكا إقناع شركائها في الخليج بمعالم رؤيتها الجديدة لمستقبل العلاقات مع إيران؟ وهل تقدر على حثهم على إعادة التفكير في فتح صفحة جديدة مع الجارة إيران، في حال نجاحها في ثني هذه الأخيرة عن امتلاك القدرة النووية؟
لقد سبق للرئيس «أوباما» أن عبر في أكثر من مقام عن فحوى رؤية بلاده لمستقبل المنطقة العربية، والتفاعلات المحتملة بين أطرفها. فمما جاء لافتا في تصريحاته الأخيرة حثه العرب على «الاعتماد على أنفسهم في التعامل مع التطورات الجارية في منطقتهم». ومن هنا نفسر لماذا تشكل تحالف عربي في الحرب على الحوثيين الدائرة في اليمن، ونفسر، أيضا، مشروع تشكيل «قوة عسكرية عربية مشتركة».
قد يتساءل المرء هل يُفهم من هذا أن أمريكا شرعت في التحلل من التزاماتها الاستراتيجية في أكثر المناطق تعقيدا في العالم؟ الجواب طبعا بالنفي.. أمريكا مقتنعة بضرورة إقامة ترتيبات جديدة، تسمح لها بالاستمرار موجودة في المنطقة، لكن تريد، في المقابل، تجنب التورط المباشر والميداني في صراعات المنطقة وحروبها.. لذلك، تجهد من أجل أن تكون الدول العربية المعنية في واجهة ما يجري في منطقتها، عسكريا وماديا.. ولعل هذا ما نلاحظه عمليا في الحرب الدائرة في اليمن. أما بخصوص مستقبل إيران، وما يجب أن تكون عليه علاقاتها الإقليمية والدولية، فالترتيبات الأمريكية الجديدة تروم تقليم أظافر إيران النووية، وإرجاع قوتها إلى حجمها الطبيعي، وفي الوقت ذاته، الدفع في اتجاه تطبيع علاقاتها مع جيرانها في الخليج والعالم.. ربما تلك أهم التفكير الأمريكي الجديد في المنطقة العربية، والخليج العربي تحديدا.