رحم الله ذلك القاضي الكبير الذي قال لرئيسه بديوانه عَلنا: « إنَّك تَسِيرُ على خُطَى هِتْلِر الذي أشْهَرَ سِلَاحَه في مُعْظَم الدول، فَكَبَت خيوله على مشارفها. فَلمْ تُخطِئ نُبُوءَتُهُ »!!
اليوم لدينا على هرم المؤسسات القضائية قضاة، منهم من يجمع بين العمل القضائي والإداري، ومنهم من يمارس أحد العملين، هم ـ بلا شك ـ يرون ويسمعون ويعاينون ما يمكن اعتباره مَاضِيا وحَاضِرا مساسا واضحا برسالة القضاء والقضاة، ومُسْتَقْبلا ما سَيُعَدُّ ألغاما ستنفجر في جبين استقلال القضاء ورفعته. ولن يغفر لهم التاريخ أبدا هذا السكوت المُريب بِعُذْرِ ضَياعِ مسؤولياتهم، فالقضاة الخالدون هم أولئك الذين لم يعبؤوا قدر أنملة بالصولة والصولجان وأكاليل وتيجان المجاملة والتملق والمُدَاهَنَةِ التي يسيل لهَا اللُّعابُ. قد تكون آمالهم وأحلامهم ضَاعت سدى تحت نيران لوبيات بقاء ما كان على ما كان، ولكنهم في دفتر القضاء الذهبي حفروا سِيرتُهم بِمَائِهِ إلى أبد الآبدين!!
عندما نبّه المنتدى المغربي للقضاة الباحثين إلى جري الوحوش التي أُطْلِقَت صَفَّارَته منذُ زَمان لتَبْخيس عمل القضاة، وتضييق الخناق عليهم من خلال تقييد سلطتهم التقديرية بالجداول عبر قوانين الموضوع، وإقحام مقتضيات تَفُتٌّ في عضدهم عبر مشروعي قانوني السلطة القضائية ورجال القضاء، وإشراك من لا صِفة له في مناقشة شأن مهني قضائي خاص بهم، وحذَّرَ من أن هذا السعي لا حدود لطوله واتساعه، (لامَنَا) البعض على قدرتنا الفائقة في التهويل والإزعاج. إلى أن أتانا الجَواب عبر الفايسبوك من أحد مُمَوِّلِّي جَنَائِزية الأعْرَاس الذي ردّ علينا عندما لم نَقْبَل مطلقا أخذ معيار ِسِن القضاة لولوج المهن القضائية قائلا: « كُلَّ مَن هَب ودب أراد أن يَصِير كَذَا ».
لك الحق في ما قلته، فهذا الطفح الجلدي الذي غيّر لون البذلة الخضراء اليانع إلى لون شاحب لمْ يَطْفُ هكذا دفعة واحدة، بل له أسباب ومُسَبّبات وهي:
ـ عندما لم نُولِ اهتماما لطبيعة دورنا كنَاطقينَ باسم جلالة الملك في أحكامنا القضائية، وما ينبغي أن يُحَاطَ بهذا الدور من مهابة وحصَانة وعزة وكرامة وآثرْنَا أن تتنازل عن هذه المهَابَة في ممارستنا العملية، كنا نؤسس فعلا لهذا المصير!!
ـ عندما صنَعْنَا زَمَنًا انتخَابات وهمية في مؤسسة دستورية واكتفينا بمعيار الأغلفة الفارغة، وافترقنا كُل في طريق، وزرعنا بيننا أسباب النَّميمة والبغضاء والاختلاف، كنا نؤسس فعلا لهذا المصير!!
ـ وعندما صال وجال من ليْسَت لَهُ أيَّةُ صفة قضائية، ولا شفيع له في ما يحظى به بين مسؤولينا مِنْ وِفَادَةٍ إلاّ مركزه المالي أو نفوذه، وعلاقاته، فَعيّن ونَقّل وأدّب من شاء في مدينته أو قريته، كنا آنذاك نؤسس لهذا المصير!!
ـ وعندما كنا نزرع الشكايات الكيدية، ونستأنس بالهواتف المجهولة التي ينطبق عليها قول الله عز وجل: « وإذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا »، صدق الله العظيم. ونفرغ ملفات أخرى من نقطها السوداء كي نجْري بها نحو الأمام ضدا على النَّزَاهة والمَوْضُوعية، كُنَّا نؤسِسُ فعلا لهذا المصير!!
ـ وعندما نستعمل التقاعد تدبيرا تأديبيا، ويقول قائلُنَا: « هَذِه مَحْكَمتِي أُعَيَّنُ فيها من أشاء »، كنا نؤسس فعلا لهذا المصير!!
ـ وعندما يخاف القاضي المستقل على مصيره ومصير عائلته، ويشده من أذَنِهِ رئيسه بشتى الوسائل ما خفي منها وما بطن، كنا نؤسس فعلا لهذا المصير !!
ـ وعندما نَصُمٌّ آذاننا عن الأصوات الصارخة والأفئدة المكلومة ونُحِيطُ فضاءها بألواح الفلين كي لا تَصِلَ إلى الأسماع، كنا نؤسس لهذا المصير!!
ـ وعندما نستهين بمهنة القضاء ونرتب على انزلاقات الأشخاص آثارا عامة تمُس المهنة، ونُوغِرُ الصدور كي لا تتحقق للقضاة مَطَالِبهم، كنا نسير على الطريق نفسه!!
الآن يَنْتَفِض البعض منا لِيُسْمِعَ صوته، قد تكون هذه الصحوة أَشبه بما كتبه توفيق الحكيم في كتابه: « عودة الوعي ». أولئك الذين كانوا في جوقة الطبل والمزمار يكرسون علنا وخفية الأوضاع السابقة، يريدون الآن أن يصبحوا أبطال المرحلة، قد لا يكون في ذلك ضير، فالله عز وجل يقبل العبد التوّاب، على أن تكون توبة نصوح، يلتئم فيها الشمل حقيقة لا مظهرًا!!
المرحلة دقيقة وحساسة، فيها قوانين تُطِبَّقُ حاليا تنتقِصُ من سلطة القاضي ومكانته، وأخرى تنتظرنا في الطريق. قد يكون السكوت عنها مخافة التغاضي عن مَنْصِب بَرَّاق ما ضرب من عمل الشيطان. إذا تجرأ علينا مَنْ قال: « من هبّ ودبّ يُريد أن يصير كذا وكذا، فَلنتَجَرّأْ نحن، أيْضا، ونقول له من نكون!!
شريط الأخبار
وعكة صحية تُدخل عادل بلحجام غرفة العمليات
أولمبيك الدشيرة يعلن فك الارتباط مع المدرب مراد الراجي بالتراضي
المركز الروسي للعلم والثقافة بالرباط يحتفل بالذكرى81 لانتصار الشعب السوفيتي
القناة الأولى تراهن على الدراما التراثية من خلال سلسلة « بنت_الجنان »
ندوة دولية بالدار البيضاء تضع الهجرة تحت مجهر البحث الأكاديمي
2500 درهم لحضور حفل وائل جسار بالدار البيضاء يثير الجدل
السينما المغربية تستقبل فيلم “التسخسيخة” لسعيد الناصري
عمر بن عيدة يقدّم كتابه حول الجهوية والتنمية الترابية
طنجة: انتشال جثة طفل عمره تسع سنوات لقي مصرعه غرقا في بركة « سد مغاير »
ضحى الرميقي تطرح عملها الجديد « محايني » في فيديو كليب بتقنيات الذكاء الاصطناعي