نظمت حركة « لسه بشر » الشبابية حملة بعنوان « ممكن أديكي وردة » بهدف رسم الابتسامة على وجوه الفتيات اللائي يتعرضن للتحرش الجنسي واللفظي. فهل تسهم هذه الوردة في التقليل من الضغوط على المرأة أم أنها مجرد فقاعة للفت الأنظار؟
لن تتوقف المبادرات الشبابية التي ترمي إلى مكافحة التحرش أو حتى مواجهة الآثار الناتجة عن هذه الظاهرة التي تفتك بالمجتمع المصري. ومن هذه المبادرات مبادرة « ممكن أديكي (أعطيك) وردة » التي نظمتها حركة « لسه بشر ». وانتشر المبادرون في أماكن متفرقة من شوارع محافظة القاهرة لتوزيع الورود على الفتيات، والبداية كانت في مركز القاهرة، حيث رأى بعض الشباب المصري أنه يتحمل المسؤولية لما تتعرض له الفتيات من أذى جسدي ونفسي.
وتقوم المبادرة على أن تشرح الفتيات المنخرطات في المبادرة أسسها والهدف منها، بعدها يتقدم الشباب بإعطائهن الورود. ورغم ما تمثله الحملة من معان نبيلة للاعتذار، فإن البعض يرى أن الاعتذار وحده غير كاف. ويطالب هؤلاء بخطوات أخرى يجب على أصحاب المبادرة القيام بها، ولعل أهمها تعليم الفتيات كيفية ردع المتحرشين.
الوردة رمز للاعتذار
وفي حوار مع « DW عربية »، يتحدث أحمد مرجان، عضو في حركة « لسه بشر »، عن الحملة قائلاً: « الهدف من الحملة هو أنه بدل من أن يكون الشاب يريد شيئا من الفتاة ويتحرش بها، يقوم بإعطائها الوردة للاعتذار، رغم أنه لا يعرفها ولا ينتظر منها أي مقابل ». ويضيف بنبرة حزن: « الفتيات يتعرضن كل يوم لعدة مشاكل والوردة قد تمثل مصدر سعادة لكثيرات منهن ».
ولفت مرجان إلى أن الحملة تم التخطيط لها لفترة طويلة، ولكنهم كانوا متخوفين من مشكلة الثقة لدى البنات من أخذ الوردة. لذلك، يقول مرجان، اقترحنا أن تقف الفتيات المنخرطات في الحملة بجوار شبابها ويقمن بالمناداة على الفتاة التي تمر في الشارع.
أما عن العقبات التي واجهتهم فيقول مرجان: « أهمها أنهم تلقوا سيلاً من الشتائم والتوبيخ من بعض المارة والسخرية من الحملة ». ورغم ذلك قال مرجان إنهم سيعملون أكثر في الشارع والانتشار في محافظات عديدة. وتابع نريد أن نعمل أكثر في الشارع، وفي أماكن متفرقة، وأكد أن هناك تنسيقا مع منظمات أخرى ضد التحرش، مثل وحدة مكافحة التحرش.
ولكن، هل حققت الحملة أهدافها؟ يجيب مرجان: « حققنا نجاحاً كبيراً، وبعض الفتيات لاحظن أن الشباب لا ينتظرون مقابل ما يقدمونه ». ويؤكد مرجان على نجاح الحملة، حيث أعلن 35 ألف شخص عبر « فيسبوك » أنهم سيشاركون في الحملة، إذ تابعها حوالي مليون شخص من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. ويشير مرجان إلى أنّ الحركة لا تفكر بالانتشار إعلامياً،لأن القائمين عليها يتعاملون مع الشارع مباشرة وليس مع القنوات التلفزية.
فرحة وترقًب
« DWعربية التقت بشيماء طلعت، وهي طالبة في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا. وتشرح هذه الطالبة ما رأته أثناء ذهابها إلى مول سيتي ستارز بمدينة نصر، قائلة: »كنت متجهة مع أصدقائي ووجدنا خمس بنات وثلاثة شباب، وأعطوني وردة ». وقالوا: « إحنا آسفين لأي حاجة حصلت ليكي في الشارع وتسببت في مضايقتك ».
وعبرًت شيماء عن سعادتها البالغة بالحدث، مؤكدة بالقول: »تمنيت أن أشارك معهم بسبب اهتمامي بمجتمع الخدمات ». بيد أن الطالبة كانت مستعجلة لذلك أعربت عن أسفها شارحة: « لم يكن لدي وقت كاف للسؤال عن كيفية الانخراط في الحملة ومساعدتهم ». وترى شيماء أن ثمة حاجة إلى مبادرات من هذا النوع لرفع معنويات الفتيات اللاتي يتعرضن لأذى سواء بقصد أو من دون قصد.
ولم تشعر شيماء بالخجل عند ذهابها إلى أخذ الوردة، وتفسر ذلك قائلة: « بطبيعتي أحب أن أتعامل مع الناس، وأنا حتى أول ما صادفتهم قلت لهم أنا أعرفكم وشفت الحدث على « فيسبوك » وابتسمت لهم ».
بيد أن ريم سليم، 25 سنة، ترى أن المبادرة لها تأثير بسيط على نفسية الفتيات، ولا تتناسب مع درجة الجرم الذي ينتهك في حقهن. وتقول ريم سليم إن هناك « حاجة إلى خطوات أكبر من الدولة والمجتمع ».لكنها من جهة أخرى تتوقع أن تنتشر الحملة، وتفسر ذلك بالقول « إنها بسيطة وغير مكلفة ».
الاعتذار وحده لا يكفي
ورغم ترحيب فتحي فريد، منسق مبادرة « شفت تحرش« بـ « أي تجمع أو روابط اجتماعية تنقل قضايا ومشاكل الناس »، إلا أنه يرى أن الإشكالية تظل فيما يتعلق بالتعامل مع الفتيات. ويشدد فريد على أن « الاعتذار وحده لا يكفي، لأنه لن يقلل من حدة الخوف »، لكن هذا لا يعني أنه لا يرحب بالتعاون مع أصحاب المبادرة.
ويفسر وجهة نظره بالقول: »مجهود مكافحة التحرش تراكمي والعبرة في مدى تطبيقها على الأرض وبناء ثقافة اجتماعية جديدة للرقي بالتعامل (مع النساء) في ظل حجم كوارث التحرش ». ويرفض فريد ثقافة الاعتذار دون أن تكون ممزوجة بتعريفهم بقانون العقوبات. كم يدعو إلى « تشجيعهم للذهاب لمراكز الدعم النفسي واللجوء لمحامين حقوقيين ثم إعطائهم الوردة لاحقاً ». ويتساءل بغضب شديد: « كيف لفتاة تعرضت للتحرش في محطة المترو، ثم تخرج ونعطيها وردة للاعتذار عما حدث لها؟! ».
المبادرة بين الطاقة الإيجابية والسلبية
من جهته، يرى الدكتور فؤاد السعيد، الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية،أن هذه الحملات بوجه عام لها تأثير إيجابي على الفتيات. ويشرح وجهة نظره لـ DWعربية على النحو التالي: »تصرف الشباب يخلق نوعا من التوازن مع المشاعر السلبية الموجودة عند البنت ». ويتحدث عن الجوانب الإيجابية والسلبية لمثل هذه المبادرات، معتبرا أن الجوانب الإيجابية تكمن في دفع الشباب إلى إعادة التفكير والتردد في ممارسة السلوك نفسه.
أمًا الجانب السلبي، وفقاً للسعيد، فهو اتخاذ البعض مثل هذه الحملات كمنطلق للهجوم على نوعية أخرى من الشباب. ولكنه يعتبر أن الاعتماد عليها هو الخطأ، لأنها لا تمثل بديلاً لمواجهة شاملة للموضوع. وينوّه إلى أن الدولة والمجتمع قد يستشعران بأن انتشار هذه المبادرات يعني أنهما قاما بواجبهما.
ويأسف السعيد على تركيز البعض على البطالة وتأخر الزواج كأسباب للتحرش، دون التركيز على الخلل في التوزيع السكاني والمناطق العشوائية المزدحمة. ويضيف: « واضطرار الأسر أن تعيش وحدها في حجرة واحدة وإقامة العلاقات الجنسية أمام أولادها، يولد أنماطا مشوهة من العلاقات الاجتماعية من ضمنها التحرش.