تقدير القاضي في عدم جواز عزله

03 يونيو 2015 - 01:20

 

رفعة القضاء ومنَعَتُهَ في هَيْبته، ونماذج قوة القضاء في الإسلام لا حصر لها، فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلجأ إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، في مجلس قضائه، فيقول له عَلِيّ: «أَلاَ أَرْسَلْتَ إِليّ»، فيجيبه عمر: «أَنَا أَحَق بِإِتْيَانِكَ»!!
فإذا كانت الأنظمة القضائية المقارنة لا تُجيز عزل القضاة إلاّ في الحدود الضيقة جداً. فإنَّ الشريعة الإسلامية أعطت ـ قبل التشريعات الوضعية ـ ضمانة عدم قابلية القاضي للعزل. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يوفرها للقاضي وهو مركز السلطتين التنفيذية والقضائية، كما أن ثراء الفقه الإسلامي ينبض بأفكار أصحابه حول مسألة عزل القاضي بدون فعل يستحق ذلك، واختلف الرأي بين قائل بجواز العزل وغير قائل به. واستأنس الفريق الأول بواقعة القاضي شرحبيل لمَّا عزله الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له: «أَمِنْ جُبْنٍ عَزَلْتَنِي أَمْ مِنْ خِيَانَةٍ»، فَقَال له عُمر: «مِنْ كُلٍّ لاَ، ولكني أَردْتُ رجلا أقوى مِنْ رجل». وها هو علي ابن أبي طالب يَعْزِلُ أبا الأسود ويقول له مُعَلِّلاً في عزله: «إِني رَأَيتك يَعْلُو كلامك على الخَصْمَين».
وإذا كان من مصلحة المجتمع أن يكون القاضي عالما مجددا لا يشغله قضاؤه عن طلب العلم، فقد ابتكر الإمام أبو حنيفة فكرة إعادة تأهيل القاضي بَدَلَ عزله بعد أن يقول له: «ما عَزَلتُك لِفسادٍ فيك، لكني أخشى عليك أن تنسى العلم، فَادُرس العلم، ثم عد إلينا حتى نقلدك ثانيا». ولم يثبت أن القضاة في العهد الإسلامي عُزِلُوا بدون غاية درءَ مفسدة أو جلب مصلحة. وقد كان الولاة يخشون عزل القاضي لغير ما سبب، خشية رد فعل الجمهور!!
ولذا كان من مبررات عزل القضاة في الإسلام: «الفسق والفجور». فقد قاس الفقهاء الجهل على الفسق فأجازوا عزل القاضي الجاهل بالأحكام الشرعية، واعتبروا الظلم مبررا للعزل، ومن مفاخر الشريعة الإسلامية الغراء أنها جعلت ضمان القاضي متى جَارَ عَنْ عَمْدٍ في ماله، وهو ما نسميه اليوم دستوريا بالمسؤولية عن الخطأ الجسيم، فالفقهاء على اتفاق في أن القاضي متى ظلم عَمْدًا وبغير حق لَزِمَه الضمان في مَالِه، بل ويُعزل من مهامه!!
فإذا كان الدستور المغربي الحالي يسير على الهدى نفسه، ويقتدي بالأنظمة القضائية المقارنة في باب استقلال القضاء وعدم قابلية القضاة للعزل، وإذا كان مشروع القانون التنظيمي يحاول ترجمة ذلك، وتسعى الجمعيات المهنية للقضاة إلى رفع اللبس والغموض عن عدة مقتضيات وردت به، فإنه كان من باب التريث التأمل في عقوبة العزل التي طالت بعض القضاة قبل النطق بها للأسباب التالية:
1 ـ إنَّ المجلس الأعلى للقضاء الحالي يمارس مهامه على سبيل الاستثناء وخارج التطبيق لإحكام الدستور، مادام الدستور المغربي حدد تشكيلة جديدة سوف ترى النور قريبا. وكان يُفترض ـ وهذا رأي رجال القانون ـ أن تجري انتخابات وفق القانون الحالي لانتهاء مدة الولاية. ولا يشفع الرجوع القهقرى لإضفاء المشروعية على أشغال المجلس!!
2 ـ حالات العزل متصلة بالأساس بالخطأ العمدي الجسيم المتكرر، أما الأعراض الأخرى، فيمكن علاجها بتكليف القاضي بمهام إدارية أو مكتبية أو ما سوى ذلك، حفاظا على سمعة القضاء بوجه عام ومعنويات أسرة القاضي.
3 ـ هناك تدرج في العقوبات، وكان من باب الاعتدال الاهتداء بها.
4 ـ لِمَ العجلة إذن؟ كان يمكن انتظار دخول قانون السلطة القضائية إلى حيز التطبيق، والذي يجيز إمكانية الطعن في القرارات التأديبية. فقد ينصلح الحال ويزول الضرر.
5 ـ إن مناوئي عقوبة الإعدام يخشون أن يكون المحكوم عليه بها بريئا ويفوت أوان الرجوع فيها بعد التنفيذ، والقانون يضع عقوبات صارمة ـ عدا ـ الإعدام، والعزل يقوم مقام هذا الأخير، ومتى تبث أن حالات نفسية خاصة بالقاضي متصلة به قابلة للاندماج، فلمَ العزل!!
يُروى أن النبي (ص) قال لأصحابه في ما معناه: «لا يستطيع الإنسان أن يتخلص من رغباته وأحلامه وهو واقف يُصلِّي».
فَرَدَّ علي بن أبي طالب: «أنا أقدر يا رسول الله»، مضيفا: «إِن استطعت، فُزت بمقام رفيع بالجنة».
فلما انتهى من الصلاة قال للنَّبي (ص): «والله إنّي فكَّرت فعلا في هذا المقام الرفيع»!!
للإنسان أحلام ورغبات ونزوات ووساوس، لذلك فهو لا يقوى، بحكم طبيعته تلك، على أن يتجرد منها. ثم إن هناك مِن الناس من يجتهد في إخفائها، وهناك من يسقط في فخاخها!! غير أن السبيل الأمثل لتقليمها هو الإصلاح والتقويم، وليس الهدم والكسر!!
رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين
[email protected]

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.