توفيق بوعشرين: الإهانة

06 يونيو 2015 - 22:40

الدول والمجتمعات، كما الأفراد والجماعات، يشعرون بالمهانة، ويحسون بطعم الذل، وعندها ينفجر بداخلهم عنف رهيب، لا يتوقعه أحد. الدول والمجتمعات، كما الأفراد، تسعى إلى الانتقام، وفي سعيها هذا، غالباً ما تدمر نفسها، وتدمر الآخرين، لأن المهانة والذل لا يتركان مكاناً للعقل ولا للفكر ولا للعدالة ولا للقانون.
اتفاقية فرساي المشؤومة سنة 1919 هي التي خلقت النازية، وعلى ضفاف الذل الذي شعر به الألمان، بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، نبت هتلر وتبعته أمة عريقة من الألمان إلى حتفها الأخير، هي وملايين البشر الذين قُتلوا في الحرب العالمية الثانية. لو علم ذلك الذي كتب المسودة الأولى لاتفاقية الذل في قصر فرساي، أن هذه الوثيقة ستأتي على أرواح ملايين البشر، لما تحركت يداه لكتابة بنودها المجحفة في حق الألمان.
لو فكر الحاكم الأمريكي، بول بريمر، ساعة واحدة، قبل حل الجيش العراقي «العلماني» والجيد التدريب، لما دفع آلاف الضباط العراقيين إلى صفوف القاعدة، ثم داعش الآن، ولما أعطى التطرفَ سلاحاً فتاكاً، يعجز العالم عن مواجهته الآن. ماذا سيفعل جندي عندما تحتل بلاده وتهان أمته وتستباح كرامته وتهدد أسرته؟ إنه لا يعود بعدها يفكر في شيء، يحمل أي سلاح يجده في طريقه للانتقام لشرفه.
لو فكرت إيران وحكومة نوري المالكي ومليشيات التنظيمات الشيعية في الوحدة الوطنية، وفي خطورة الطائفية، لما عمدت إلى تقسيم العراق إلى سني من الدرجة الثانية، وشيعي من الدرجة الأولى، ولما وضعت بيضها كله في سلة طهران، وها نحن نرى، اليوم، ثمار ما زرعته هذه السياسة، وما أدى إليه القتل على الهوية في العراق. قطاعات واسعة من سنة العراق تقبل الآن بداعش وهمجيتها وبربريتها، ليس حبّاً فيها، ولكن، انتقاماً من إيران وحلفائها في العراق الذين جاؤوا على ظهر دبابة الاحتلال، للانتقام من صدام، فأصابوا العراق في مقتل.
عندما رفض الاتحاد الأوروبي عضوية تركيا في ناديه المسيحي المغلق، شعر الأتراك بالإهانة، فاتجهوا إلى التصويت لحزب إسلامي معتدل، في بلد علماني، كان حكامه يحاربون الدين ورموزه. لو لم يرفض الاتحاد الأوروبي دخول تركيا المسلمة إلى بيت أوروبا القوي والغني، ما كان الأتراك سيعطون حزب العدالة والتنمية كل هذا الوزن الانتخابي على مدار 14 عاماً. ومن حسن حظ الأتراك أن أردوغان لم يكن زعيماً قومياً متطرفاً، وإلا لكانت سياسته اتجهت إلى تقوية الجيش، وإلى التحريض على الغرب وثقافته وحضارته. الشعوب لا تهان، وعندما تشعر بالإهانة، لا أحد يمكنه أن يتوقع ردود فعلها.
لا يوجد حل سحري بعد أن يخرج مارد الكراهية من القمقم.. الحوار يجب أن يسبق الإهانة، والسياسة يجب أن تسبق العنف، والشراكة يجب أن تحل محل الإقصاء، وتوزيع الثروات والسلطات، ولو بطرق غير متساوية، أفضل من أخذ كل شيء، ثم خوض حرب شاملة تأتي على كل شيء.
الأرض والسلطة والثروة والامتيازات التي نحصل عليها بالقوة، ونضطر إلى خوض الحروب الدائمة من أجل حمايتها، أشياء ليست لنا.. الملكية الحقيقية لأي شيء تتحقق باعتراف الآخر لك بحيازته.

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

MAROKMAN منذ 7 سنوات

..ومن حسن حظ الأتراك أن أردوغان لم يكن زعيماً قومياً متطرفاً..?!? أردوغان ، الشخص الأقوى في تركيا (ولا أدري إن كان سيبقى بعد الانتخابات الحالية) رأى في هذا الوضع العربي المحشور ضالّتهُ وتظاهر بالود والوفاء،فقدّم نفسه وكأنه هو خشبة العوم فوق سطح الماء للوقاية من أي غرق !!.. صَدّقوه متجاهلين ومتجاوزين لكل خلفيته الأخوانية المتزمتة وتعصبه العثماني العنصري والمقيت (وهذا التناقض بين عصبيته القومية ونهجه الأخواني يُبيِّن مدى كذبه واستغلاله للدين لتحقيق طموحاته العثمانية بشكل أو بآخرٍ ... فكأخواني يُفترَض به أن لا يكون متعصبا لقوميته ، بل حاقدا عليها كما هم الأخوان المسلمين في البلدان العربية (ولا أقول الأخوان المسلمين العرب ) الحاقدون على القومية العربية ، قومية رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم .. ** أردوغان عرف جيدا كيف يلعب بالوقت الضائع في تاريخ الربيع العربي ، وكيف يستغل هذه العلاقة معها (بدفعٍ وتنسيق مع الأمريكان) ويعصُر اقتصاد الدول العربية عصرا لصالح بلاده من خلال اتفاقيات كانت في جلِّها لصالح تركيا على حساب مصالح سوريا ومصروتونس وغيرها ، ومصالح أصحاب بعض الحِرف والمِهن تحديدا التي تأذّتْ جدا من تلك الاتفاقات !!.. بل باتت الثقة بأردوغان غير قابلة للطعن أو الشكوك أو التساؤل ، حتى أضحى ثقة مطلقة تتغزّل به الصحف العربية ويمكنه أن يتحدّث مع الإسرائيلي بالنيابة عن الحكومة السورية في ملف المفاوضات حول الجولان ، كما كانت تُوحي الأمور.. !!.. كل ذلك تزامَنَ مع بعض المواقف المسرحية كما حصل في مؤتمر دافوس في شباط 2009 وانزعاجه من شيمون بيريز ، ثم حادثة السفينة مرمرة لفك الحصار عن غزّة في 31 أيار 2010 ... الخ !!.. وهذا كله منحَ أردوغان المزيد من الأوسمة والدعاية والمصداقية حتى بات المحلِّلين السوريين يحلفون بذمة أردوغان ، ويعتقدون أن شرقا أوسطيا جديدا تتم صياغته بقرارٍ من أبنائه ، وأولهم أردوغان ، وحمد بن خليفة آل ثاني ، الذي كان مُكلّفا أمريكيا بنفس دور أردوغان بالتقارب مع سورية ، وهو من يعيش تحت حماية القواعد الأمريكية ، وصدّقوا أنفسهم أن هذا الحاكم القَطَري الذي تجسم على أرض بلاده أكبر القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط ، هو من القادة الذين سيصنعون مستقبل الشرق الأوسط بقرار أبنائه وشعوبه رغما عن أنف الأمريكي !!..

علال منذ 7 سنوات

"الملكية الحقيقية لأي شيء تتحقق باعتراف الآخر لك بحيازته" وحقك هو ما تستطيع الدفاع عنه فما نيل المطالب بالتمني

تفووو على بلاد منذ 7 سنوات

لعن الله شعبا لا تحركه الا مؤخرات لوبيز و أبيدار كم من مقال كتب على موضع لوبيز و موضوع فيلم عيوش؟؟؟ الالاف المؤلفة.. و كم من مقال كتب على التهاب الاسعار و الفساد الذي نخر كل القطاعات و ماذا فعلت هذه الحكومة في مواجهته؟؟؟ لا شيء انه الكبت.. لعن الله الشعب المكبوت... شعب لا تحركه الا شهوة واحدة و هي شهوة الفرج. تففففووو على بلاد

خديجة من المغرب منذ 7 سنوات

بهدا المقال توجه رسالة بطريقة دكية وغير مباشرة إلى السياسيين المغاربة وأصحاب القرار علهم يتعضون