دلالات الانتخابات التركية

12/06/2015 - 01:29
دلالات الانتخابات التركية

لم تُعزز نتائج الانتخابات التشريعية غير الرسمية، المنظمة في السابع من هذا الشهر، رغبةَ حزب العدالة والتنمية التركي في أن يستمر مهيمنا على الحياة السياسية، فقدْ فَقَدَ الأغلبية المطلقة من مقاعده في البرلمان، حين حصد 40,9% من الأصوات، نظير 25% لمنافسه «حزب الشعب الجمهوري»، و5 ،16 % لـ«حزب الحركة القومية». أما التنظيم الجديد المؤسس قبل ثلاث سنوات، أي «حزب الشعوب الديمقراطي»، فتجاوز 12%، وهي في الواقع سابقة لافتة للرأي العام التركي، وتحديدا لأنصار هذا الحزب الذين سيلجون قبة البرلمان لأول مرة.
نَظر البعض لهذه النتائج على أنها نصر جديد لحزب العدالة والتنمية وليست هزيمة، وأنها استمرار لسلسلة الانتصارات التي تجاوزت التسعة منذ العام 2002، فالحزب في واقع الأمر فاز رغم التراجع الذي وصل عتبة 9%، وأنه مازال متصدرا قائمة الكوكبة المتنافسة على المؤسسة التشريعية. ومع ذلك، تُنبه النتائج على أن حزب العدالة والتنمية فَقَدَ بعض أرصدة قوته، أو على الأقل أصبح مجبرا على إعادة صياغة خياراته والحد من تطلعاته، التي لم يتردد في التعبير عنها قبل إجراء الانتخابات التشريعية الأخيرة. فمن جهة، أصبح بعيدا عن الأغلبية المطلوبة داخل البرلمان، أي 367 عضوا، لتغيير بعض أحكام الدستور بغية الانتقال من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، كما كان يطمح «الطيب أردوغان» إلى تحقيقه، وفقد فرصة طرح هذا المشروع على الاستفتاء إن هو حصل على 330 عضوا في البرلمان، وهو ما لم يتحقق له..بل لم يعد في مُكنه تشكيل حكومة جديدة اعتماداً على أغلبيته البرلمانية، إذ يحتاج إلى تحالف مع قوى أخرى تُشاركه بعضاً من تطلعاته وبرامجه.. ولعل كل هذه الأمور من النتائج المباشرة لما أسفرت عنه انتخابات السابع من هذا الشهر.
لذلك، نجحت تركيا في المحافظة على حرارة التعاطي مع الشأن الانتخابي وقضية المشاركة السياسية، إذ وصلت نسبة التصويت 87%، بالانخراط الفعلي لسبعة وأربعين مليون ناخب في الاقتراع التشريعي، ونجحت تركيا، أيضا، في إتاحة المجال لبعض الأقليات من الدخول إلى معترك المنافسة الانتخابية للتعبير عن مطالبها، كما هو حال «حزب الشعوب الديمقراطي»، ونجحت في استمرار التنافس بين القوى والتعبيرات الاجتماعية المتنوعة في تركيا المعاصرة، أي: «الإسلاميون»، و»العلمانيون»، و»القوميون»، و»الأكراد».
لا نظن أن حزب العدالة والتنمية لن يبحث عن أسباب تراجعه، ويسعى إلى إيجاد إجابات مقنعة لمناضليه ومناصريه.. فموقعه الريادي في الحياة السياسية التركية منذ العام 2002 لا يهم بلده تركيا فحسب، بل يعني كل الذين لمسوا في نجاحاته المتتالية دليلا على قدرة نموذج من «الإسلاميين» الانخراط في عمليات الدمقرطة، والنماء، ومراكمة الإنجازات. ثم سيلتفت دون شك إلى القيام بقراءة نقدية لعلاقته بالسياسة والسلطة وواجباته تجاه مناصريه ومواطنيه عموما.. فالواضح أن السلطة من طبيعتها أن تصيب صاحبها بالترهل Harcèlement ـ وتدفع به، مع مرور الوقت، إلى الغرور، أوفي أدنى الحالات تشجعه على الكسل، كما قد توسع من دائرة تطلعاته نتيجة استمرائه لإغراءات السلطة وجاذبيتها.
في ضوء النتائج التي أسفر عنها اقتراع السابع من هذا الشهر، تبدو تركيا مقبلة على لحظة سياسية جديدة، محكومة بمتغيرات جديدة، وآفاق قد تكون مختلفة.. فحزب العدالة والتنمية مجبر على التعامل مع شركائه الجدد بعقلية اقتسام السلطة والمسؤولية في الآن معا.. والشراكة تستلزم «الوصول إلى (نعم)»، أي البحث عن المشترك، والكل ملزم بالتسلح بثقافة إدارة الاختلاف والتحالف من أجل المحافظة على قوة تركيا الاقتصادية والسياسية.. والسير قدما في اتجاه تحول هذا البلد إلى فاعل إقليمي ودولي وازن..
وفي المحصلة، ستكون حقبة ما بعد اقتراع السابع من يونيو محكا لاختبار قدرة «حزب العدالة والتنمية» على إدارة البلاد، وصنع السياسات مع آخرين لا يشاطرون بالضرورة كل تطلعاته وبرامجه.

شارك المقال