الألم المزدوج

13/06/2015 - 02:02
الألم المزدوج

أستسمحك، بل أدعوك إلى مساعدتي في هذه المهمة المضنية والمتمثلة في مواجهة الألمين العميقين اللذين غمراني وغمراك طيلة أيام هذا الأسبوع، من خلال القفز عليهما والبحث عما يجمع بينهما رغم اختلافهما الواضح. فالأول، لا شك، ألم مأساوي، والصور (الثابتة والمتحركة) التي انتشرت على صفحات الجرائد وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تذكرني بالتراجيديات الإغريفية من فرط ما رشح منها من حزن وسخط وغضب وأسئلة حارقة: كيف يغرق 11 كائنا مغربيا دفعة واحدة وفي مكان واحد؟ من كان مؤتمنا على الحيوات الطرية لكل هؤلاء؟… إلخ
أما الألم الثاني، فمصدره لسعات السخرية المرة المشوبة بكثير من الغضب والحيرة بعدما تبين أن بعض امتحانات الباكالوريا لهذه السنة لم يتم تسريبها بعد التحاق الممتحنين بقاعات الامتحان ببضع دقائق، بل جرى نشرها على بعض مواقع التواصل الاجتماعي قبل ساعات من موعد الامتحان.. تلك الساعات التي تبدو طويلة ولا نهاية لها.
في تقديري، يلتقي هذان الحدثان الأليمان في ثلاثة تقاطعات. أولا، جاءت واقعة الغرق الجماعي المأساوية لتكرس «انعدام الثقة» المزمن بين الكائن المغربي وسلطات بلاده. فهي تبدو عاجزة حتى عن النهوض بالمهمة الأولية المنوطة بها، وهي أن تدفع عنه الأسباب التي قد تهدر ماء حياته بشكل «عبثي»، (لعل هذا الطابع العبثي هو الذي عمّق، في تقديري، مأساوية حادث واد الشراط ـ قرب الصخيرات). كما تبدو قليلة الحيلة وغير قادرة على تنظيم امتحان مهم في حياة هذا الكائن ويحدد بشكل كبير مصيره التعليمي (بغض النظر عن درجة جودته أو مدى ملاءمته لحاجات العصر) في أجواء تضمن تكافؤ فرص كل الممتحنين.
ثانيا، كرّس هذان الحدثان المؤلمان غياب أي بوادر في سماء هذه البلاد تشير إلى قرب ظهور مفهوم الفرد وتحقيق الكائن المغربي لفردانيته الكاملة. فما جرى في مصب واد الشراط يوحي بأن الفتيان والفتيات، الذين ابتلعتهم مياء النهر والبحر دفعة واحدة، دُفعوا إلى هذا المكان الخطير مثل قطيع وليس على أساس أفراد قائمي الذات جاؤوا إلى هنا على هيأة «جماعة» منسجمة متجانسة يحتفظ فيها كل واحد بكيانه المستقل. ولم تحرص وزارة التربية – وهي التي عليها النهوض بمهمة تكريس مفهوم الفرد- على ضمان الحد الادنى، وعلى الشرط الأولي لتحقيق هذه الفردانية ويتمثل في تكافؤ الفرص.
ثالثا، وهذه، في تقديري، هي النقطة المضيئة الوحيدة في كل هذه العتمة التي غمرتنا هذا الأسبوع، أثبت الحدثان المؤلمان مرة أخرى القوة المتصاعدة للعالم الافتراضي، ومدى قدرته على فضح الواقع ورفع كل الحجب، المرئية وغير المرئية، التي تحاول السلطة أن تداري بها عجزها. فلو لم تكن هذه الشبكات الاجتماعية واقتصر الأمر على وسائل الإعلام التقليدية، لربما خفيت الكثير من جوانب ما حدث في مصب واد الشراط، ولما وصلت إلينا احتجاجات التلاميذ في بعض الثانويات.
وفوق هذا وذاك، فهذا العالم الافتراضي هو الذي يسمح لنا حاليا بـ»مساءلة» هذا «الراهن» المؤلم و»محاكمة الأوضاع» الحالية على حد تعبير المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي.

شارك المقال