دخل القاصر المغربي عيسى البالغ من العمر 17 عاما بطريقة غير شرعية إلى الجارة الشمالية راكبا مياه بحر الأبيض المتوسط، لكنه لم يكن يعلم أن المياه الهادئة المعالجة بالكلور في المسبح البلدي الصغير في مدينة خاين بجهة الأندلس الإسبانية، قد تكون أشد هولا من أعماق مضيق جبل طارق. هكذا انكسرت أحلام القاصر المغربي عيسى في تلك الليلة الليلاء، الاثنين الماضي، في ذلك المسبح اللعين الذي انغمس فيه لدقائق ليخطفه إلى الأبد.
كانت الساعة حولي الحادية عشرة ليلا، وكما هو معروف، في الصيف، يمكن لنزلاء مركز القصر » كارمين دي لا ميشيلين » بمدينة خاين، الذين تفوق أعمارهم الـ16 ربيعا البقاء خارج أسوار المركز حتى منتصف الليل في الأيام العادية، بينما في نهاية الأسبوع حتى الثانية ليلا. بعد يوم صيام طويل وحار في ظل موجة الحرارة التي تضرب جنوب أوربا، وبعد تناول وجبة العشاء، خرج القاصر المغربي عيسي في نزهة على الأقدام مع رفاقه في المركز وبعض الفتيات اللائي يقمن في مركز لإيواء الفتيات القصر في الجوار. كان لديهم برنامج: التسلل إلى المسبح البلدي للمركز الرياضي » لا سالوبريخا » من أجل الهروب من شدة الحرارة التي تخنق الأنفاس بالمدينة. كانت الليلة الثالثة التي تتسلل فيها المجموعة خفية إلى المسبح، الذي يقع في الجهة الجنوبية للمدينة، لكن بالنسبة إلى عيسى كانت المرة الأولى والأخيرة.
وحسب الرواية الرسمية، تسلل المراهقون القصر إلى المسبح بعد القفز من الجدار المحيط به. وفي حدود الساعة الحادية عشرة ليلا، تلقت مصالح الطوارئ بالمدينة مجموعة من المكالمات الهاتفية، تفيد أن مجموعة من المراهقين يطلبون المساعدة من داخل المسبح البلدي. كان أول من التحق بمكان الحادث هم مجموعة من الشباب كانوا يلعبون في الطريق المجاورة للمسبح. وكان رفاق عيسى يحاولون إخراجه من مياه المسبح، لكن من دون جدوى، كما أن جسمه كان ثقيلا، و فاقدا للوعي، بحيث أنه بعد القفز إلى الماء مرتين بنجاح، جاءت الثالثة بما لم يكن في حسبانه. وعندما وصل عناصر فرقة الإنقاذ، حاولوا تقديم المساعدات الأولية والضروية، لكن الأوان قد فات، فتوفي عيسى حوالي الساعة الثانية عشرة وخمس وعشرين دقيقة ليلة الثلاثاء.
وبعد وفاة عيسى، أكدت سلطات إقليم الأندلس أنه ولج مركز إيواء القاصرين » كارمين دي لا ميشيلين »، بمدينة خايين، في شهر يونيو الماضي، لأنه قاصر ومن دون رفقة، وكان قد وصل إلى الجارة الشمالية قادما إليها من المغرب كما هو الحال بالنسبة إلى مجموعة من القاصرين بالمركز نفسه. وأضافت أنه ربما يكون قد دخل إلى إسبانيا عبر قوارب الموت التي تنقل الحالمين بالعبور إلى الفردوس الأوربي من شمال إفريقيا، أو متخفيا بين محركات السفن الكبيرة، التي تتنقل بين موانئ الضفتين. المهم إن عيسى ركب البحر بأمواجه العاتية هاربا من الفقر والهشاشة بالمغرب ليلقى حتفه في مياه هادئة بمسح إسباني قبل تحقيق حلم مغادرة مركز إيواء القصر كليا، الذي كان سيبدأ في الـ24 من هذا الشهر، وهو تاريخ بلوغه سن الرشد 18سنة- ومعانقة الفردوس الأوربي الذي من أجله غادر بلده وأهله. الكل يتذكر عيسى في المركز واصفين إياه بـ »الهادئ » و »الإنسان الطيب ».
هكذا، يقول التشريح الطبي الذي أجري لعيسى بالجارة الشمالية، إنه توفي غرقا في مسبح عمومي، كما تشير آخر الأخبار إلى أنه بعد إخبار عائلته في المغرب وإنهاء الإجراءات القانونية بإسبانيا، ستتكفل سلطات جهة الأندلس بنقل جثمانه إلى المغرب، بينما لا تزال الشرطة الإسبانية تباشر أبحاثها لمعرفة كل حيثيات غرقه من خلال الاستماع إلى كل الحاضرين في تلك الليلة التراجيدية التي فقد فيها عيسى الحلم والحياة.