ثقب الإبرة

11/07/2015 - 01:37

فوزية فتاة ظلمها الواقع ظلما شديدا ولم تجد قليلا من الإنصاف سوى في العالم الافتراضي. فوزية هذه حظها قليل جدا في الحياة، فهي لا تعاني من الإعاقة الذهنية فقط، بل وتعيش في ذلك المغرب المنسي، ذلك المغرب الذي يتنفس ويتحرك بيننا، ولكننا لا نراه قط من فرط ما نراه، أو بالأحرى لا نلتفت إليه لأنه المرآة التي تعكس عاهاتنا التي نخجل منها ونفضل إخفاءها بدل احتضانها واعتبارها جزءا منا.
فوزية هذه صارت، دون أن تدري، تلك الكوة التي نطل منها على كل تلك العاهات الذهنية والجسدية، وخصوصا النفسية، التي نهرب منها في مجتمعنا، ولكنها تأبى الانفصال عنها مثل التشوهات الخِلقية. فهي ليست فقط، كائنا ضعيفا منسيا يصرف أيامه في مغرب منسي فقط، بل تحولت، دون رغبة منها، إلى وعاء لاستقبال الكبت الجنسي للمحيطين بها، إذ لم يجد ابن أخيها غيرها ليطفئ نار غريزته الجنسية.. وصارت، دون إرادتها، «منتجا» لحياة أخرى لا تقل عنها هشاشة وضعفا، بعد أن حملت ووضعت قبل أيام ولدا ذكرا.
وفي تقديري، تعيش بيننا حالات وحالات لمغربيات حولتهن الإعاقة الذهنية، أو الجسدية أو الهشاشة الاقتصادية (الطفلات الخادمات مثلا) إلى إسفنجة تمتص من المحيطين بهن سائل الرغبة وعرق الشهوة أو جعلتهن أرضا خلاء للتدرب على الفحولة، ولكن قصصهن تظل سجينة الأبواب الموصدة والصدور المخنوقة. فقط من حسن الحظ القليل لفوزية، أن أسعفها العالم الافتراضي الذي يحب فضح ما يريد الواقع حجبه وإخفاءه..
هذا العالم الافتراضي الذي يخرج لسانه في وجه تلك القواعد الصارمة التي يسنها المجتمع ويفرض بها الصمت على كل ما لا يرضاه، ويفضح نفاقها وزيفها، تماما مثلما يفضح الطفل أمام الأقارب والأغراب تلك الأسرار الصغيرة التي تخجلنا.
هذا العالم الافتراضي الذي لا حدود له مثل الواقع أو أكثر، صار تلك النافذة أو الكوة أو فقط، ثقب الإبرة الذي تتسرب منه كل تلك الفضائح التي يسعى المجتمع والسلطة إلى إخفائها. ولولاه لما اكتشف أحد النظرات اللامبالية لفوزية ولا علم بحجم مأساتها المزدوجة، بل والمثلثة (الإعاقة الذهنية، الفقر الشديد، الاغتصاب…)، ولما بلغت إلى علمنا فضائح أخرى كثيرة…
أصبح العالم الافتراضي بشبكاته الاجتماعية تلك الساحة العمومية التي لا يتردد الناس في عرض مآسيهم عليها، على عكس الميادين العمومية، حيث يكتفون باستعراض ما يرونه جميلا فيهم وجديرا بالظهور (طبعا ما عدا الشحاذين الذين يُتاجرون بعاهاتهم).
والأهم أنه أضحى وسيلة فعالة للتضامن بين المغاربة. إذ تم جمع 20 مليون سنتيم في ظرف يومين لصالح «فوزية» ورضيعها، بل وقررت شركة عقارية مشهورة تخصيص شقة لها ستؤثثها مجانا مقاولة أخرى معروفة في قطاع الأثاث المنزلي.
لعل هذا الخيط الرفيع من الضوء وسط كل هذا الظلمات والعاهات المتراكمة لهذه المأساة سيشجع آخرين على جمع كل ما تبقى في الصدر من إصرار، والنظر من ثقب إبرة وفضح ما يجري وراء خلف جدران الصمت وأسوار الخوف من الفضيحة والإحساس بالذنب. فأمام ثقل المآسي لا يسع المرء سوى أن يقول مع محمود درويش «ما أجمل الأرض من ثقب إبرة».

شارك المقال