كلما طفت على سطح النقاش المجتمعي قضية من القضايا، إلا وتجدد الجدل وانتقل إلى دوائر الصراع التقليدية بين العلمانيين والإسلاميين، حيث يتم استغلال إفرازاتها من كلا الطرفين لتحقيق مكاسب على الأرض. الأحداث الأخيرة التي عرفها المغرب خلال الأيام الماضية، والمتعلّقة بالحريات الفردية، خاصة اللباس والمثلية، والتي أصبحت مشهورة إعلاميا بقضيتي فتاتي أكادير ومثلي فاس، من بين عشرات قضايا الصراع بين الطرفين، والتي كشفت عن درجة عالية من الاختلاف والتباين بخصوص ردود الفعل أو المواقف المتخذة تجاه ما حصل، حيث جرى الاصطفاف إلى فريقين متعارضين يحاول كل واحد منهما بعث رسائله المشفرة عبر خطاب يمتح من الإطار المرجعي الذي يستند إليه؛ إذ يرى العلمانيون أنه ليس من حق أحد الاعتداء على الأشخاص أو تبريره أو شرعنته باسم الدين أو الأخلاق، وليس من حق أحد أن يفرض وصايته أو تصوره لشؤون الحياة على المواطنين، وأن ذلك شكل من أشكال التطرف الذي يهدد الحرية والحقوق التي يكفلها الدستور، وتضمنها ثقافة المجتمع المبنية على احترام الخصوصيات في إطار الاختلاف. وهم إذ يشجبون هذه السلوكيات، فإنهم بذلك يحذرون من انتشار فكر ظلامي تكفيري رجعي ومتخلف، ينصب نفسه منافحا عن الدين ويسعى أصحابه إلى فرملة الانتقال الديمقراطي، في حين يرد الإسلاميون على أن اليساريين والعلمانيين والليبراليين يهاجمون ديننا الحنيف وقيمنا وثوابتنا الإسلامية باستمرار، ويتجرؤون على مقدسات المسلمين ومعتقداتهم نتيجة حقدهم عليها، وهذا ما يدعم خطاب الخوارج المجرمين كتنظيم «داعش» في استقطاب الشباب المتحمس، وأن مشكلة هؤلاء العلمانيين أنه إذا مست «مومس» أو «مثلي» ثارت ثائرتهم وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وإذا سُب النبي وديس المصحف، وتم التطاول على الذات الإلهية قالوا إنها حرية رأي.
الاختلاف بين الإسلاميين والعلمانيين قديم، حيث تتعالى في كل مناسبة أصوات التعصب والتزمت والتطرف الممارسة للوصاية باسم الدين والأخلاق من جهة، والأصوات المدافعة عن قيم الحرية واحترام اختيارات الغير من جهة أخرى. والاختلاف في حد ذاته ليس عيبا، بل هو سنة كونية من طبيعة الحياة. إن مجتمعا لا يقبل بالتعدد والاختلاف هو مجتمع يرفض التطور ويستكين نحو الجمود والعجز عن الإنتاج والفعالية والنمو، ولكنه ﻳﺠﺐ التفريق ﺑﻴﻦ ﺍﻻﺧﺘﻼﻑ ﺍﻟﺬﻱ يعني ﺍﻟﺘﻌﺪﺩ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻌﺪﺩﻳﺔ ﻭﻫﺬﺍ ﺃﻣﺮ ﺻﺤﻲ ﻭﻣﻄﻠﻮﺏ، ﻭبين ﺍﻟﺨﻼﻑ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻨﻲ ﺍﻟﺸﻘﺎﻕ ﻭﺍﻟﺘﻨﺎﺣﺮ وهنا تكمن ﺍﻟﺨﻄﻮﺭﺓ، وذلك ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﺤﻮﻝ ﺍﻻﺧﺘﻼﻑ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺃﻣﺮ ﻃﺒﻴﻌﻲ ﺇﻟﻰ ﺧﻼفات وتجاذبات وتطاحنات، لأن ذلك سيفرز الكثير من العاهات الخطيرة إذا لم يحصل هناك نوع من التوافق حتى لا يستفز أي طرف الطرف الآخر، وذلك منعا لهذه التوترات والتقاطبات التي لا تصب في مصلحة الوطن، ولكن الأخطر هو أن تقف الدولة موقف المتفرج أو تغيب إرادتها افي الحسم والاختيار. وعلى الرغم من أنَّ ما حصل في إنزكان وفاس يبقى أمرا معزولا، ولم يتحول بعد إلى نسق قائم في المجتمع المغربي، فإن من واجب الدولة أن تتحمل مسؤوليتها وتبادر إلى إخماد الفتنة قبل استفحالها.
من جملة المسائل التي يجب الانتباه إليها هي أن المغربي مثلا إذا رأى ما يشبه الفوضى في الشارع يرد الفعل قائلا: «هل خلت البلاد من المخزن»، أما إذا ظلمه صاحب جاه أو مال أو سلطة فهو يصرخ قائلا: «أنا بالله وبالشرع». «المخزن» هو الدولة، و» أنا بالله وبالشرع» هو القانون. فالمغربي إذن، يطلب الدولة والقانون، الدولة التي تحكم بالقانون ويحكمها القانون، وهو ما عبرت عنه «جاكلين روس» بدولة الحق والقانون، أي تلك الدولة التي تقوم على ممارسة معقلنة للسلطة، ممارسة تتشبث بالقانون وتتمسك بالكرامة الإنسانية، وباحترام الحريات العامة.
إن ترك تقدير الأفعال المخالفة للقانون للناس وترك توقيع العقوبة لهم، معناه بشكل واضح وصريح نهاية الدولة والسعي إلى تدبير الفضاء العام بقانون الغاب، والذي كان فيه لكل واحد الحق في أن يتصرف كما يشاء، جاعلا من نفسه الحكم والجلاد في كل ما يعنيه من شؤون، وهذا من شأنه أن يفضي إلى العدوانية والفوضى و»حرب الكل ضد الكل». وخيرا فعلت النيابة العامة بفاس حين أمرت بضبط كل من تورط في ضرب المثلي وقررت التعامل بالصرامة اللازمة مع كل من يتجاوز سلطة القانون، وصلاحيات الدولة التي يبقى لها وحدها حق إيقاع العقوبات على المخالفين. وخيرا فعلت أيضا، وزارة العدل والحريات، ووزارة الداخلية حين ذكرتا، ضمن بلاغ مشترك، مجموع المواطنين بأن «أي فعل أو عمل يهدف إلى أن يحل محل العدالة، أو قوات الأمن، يعد أمرا غير شرعي تماما».
إن الدولة تتميز عن كل الأشكال الأخرى للجماعات الإنسانية باستحواذها على السيادة، ذلك أن إرادة الدولة لا تقبل التحدي، ولا تقبل التقسيم ولا التغيير، فالدولة ذات سيادة لأنها تعطي الأوامر للجميع ولا تتلقى أمرا من أحد. ويمكن القول إن أساس سلطة الدولة وسيادتها هو ممارسة العنف وهي المؤسسة الوحيدة التي تمتلك احتكار العنف المشروع من خلال فرض نظم المراقبة والسيطرة والعقاب، ولا يحق لأي فرد أو جماعة ممارسة هذا العنف إلا بتفويض من الدولة. ومثلما تحتاج الدولة إلى هذه «الوسيلة المميزة» لممارسة سلطتها وضمان بقائها، يحتاج المجتمع إلى النضج الديمقراطي والوعي الحداثي ليكون دعامة لقوة الدولة. مجتمع ديمقراطي وحداثي يمارس فيه كل المواطنين حقوقهم، وينهضون بواجباتهم بكل مسؤولية وحرية والتزام، رغم تناقض إيديولوجياتهم الفكرية، وتباين عقائدهم الدينية، واختلاف رؤاهم السياسية.
باحث
شريط الأخبار
وعكة صحية تُدخل عادل بلحجام غرفة العمليات
أولمبيك الدشيرة يعلن فك الارتباط مع المدرب مراد الراجي بالتراضي
المركز الروسي للعلم والثقافة بالرباط يحتفل بالذكرى81 لانتصار الشعب السوفيتي
القناة الأولى تراهن على الدراما التراثية من خلال سلسلة « بنت_الجنان »
ندوة دولية بالدار البيضاء تضع الهجرة تحت مجهر البحث الأكاديمي
2500 درهم لحضور حفل وائل جسار بالدار البيضاء يثير الجدل
السينما المغربية تستقبل فيلم “التسخسيخة” لسعيد الناصري
عمر بن عيدة يقدّم كتابه حول الجهوية والتنمية الترابية
طنجة: انتشال جثة طفل عمره تسع سنوات لقي مصرعه غرقا في بركة « سد مغاير »
ضحى الرميقي تطرح عملها الجديد « محايني » في فيديو كليب بتقنيات الذكاء الاصطناعي