الصحافة حرة ما لم تضر

16/07/2015 - 02:17
الصحافة حرة ما لم تضر

رحم الله من قال: »العقول الصغيرة تناقش الأشياء والأشخاص، أما العقول الكبيرة، فتناقش الأفكار«. استوقفتني هذه الفكرة وأنا أتابع هذه الأيام مهزلة قضية زواج أحمد منصور، والتي تبنتها بعض الصحف بشراسة، حيث حاولت أن تدس شخص عبد العالي حامي الدين في القضية. لم تستوقفني قضية شخص الأستاذ حامي الدين أكثر ما استوقفتني قضية معنى حرية الصحافة وحدودها، وهل هي حرية مجردة أم حرية عامة ومنظمة؟ وبالتالي مقيدة بإطار قانوني.
فإذا كانت الحرية في معناها العام هي سلطة وإمكانية السيطرة على الذات، بموجبها يختار الإنسان بنفسه تصرفاته الشخصية ويمارس نشاطاته دون عوائق أو إكراه، وهي هنا قد تلتقي بمفهوم الحق الطبيعي، فإن مفهوم الحريات العامة، ومنها حرية الصحافة والتعبير والرأي، فلها معنى آخر…
خصوصية الحريات العامة هي أنها تكون دائما مضبوطة بإطار قانوني ينظمها. فحرية الصحافة ليست »حرية مجردة«، وإنما هي »حرية عامة«، بمعنى أنها حرية مكرسة بموجب القوانين الوضعية، بحيث لا يمكن الكلام على حرية الصحافة أو التعبير ولا تصور وجودها إلا في إطار نظام قانوني محدد يعترف بها وينظمها ويضمنها. وهذا ما نجده بداية في الدستور، إذ ينص الفصل 28 على أن »… يحدد القانون قواعد تنظيم وسائل الإعلام«، و«… تشجع السلطات العمومية على تنظيم قطاع الصحافة…«.
ثانيا، وباستحضار قانون الصحافة والنشر كما وقع تغييره وتتميمه بالقانون رقم 00-77، نجد أنه ضمن قسما يتكون من تسعة فصول (من 44 إلى 53) خاصة بالجنح الماسة بالأشخاص، من قبيل الفصل 44 الذي ينص على أنه »يعد قذفا ادعاء واقعة أو نسبها إلى شخص أو إلى هيئة إذا كانت تمس شرف أو اعتبار الشخص أو الهيئة التي نسبت إليها…«، »… كما يعاقب على نشر هذا القذف أو السب سواء بطريقة مباشرة أو بطريقة النقل…«.
في مقابل هذا، نجد أن الدستور المغربي- الذي يعتبر القانون الأساسي للبلاد، والذي يفرض على الكل احترامه- نص في فصله 21 على أن لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقربائه…«، وفي الفصل 22 »لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص…«، وفي الفصل 23 »… لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة معاملة لا إنسانية أو مهينة أو حاطه بالكرامة الإنسانية«، وفي الفصل 24 للشخص كيفما كان »الحق في حماية حياته الخاصة…«.
أما بخصوص »مبدأ نشر الخبر«، فالدستور حسم في الأمر حين اعتبر في الفصل 28 أن »للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد…« لكن بشرط دستوري »… عدا ما ينص عليه القانون صراحة…«. وبما أن الدستور هو أعلى قانون فيجب على الصحافة بجميع أنواعها أن تحترمه ولا تتعدى الحقوق والحريات المضمونة دستوريا للأشخاص كيفما كانوا. أما من يتكلم عن »الحق في الحصول على المعلومة« المذكورة في الفصل 27 من الدستور، فالمعلومة هنا مقيدة بمقتضى القانون وبموجب الفصل 27 وذلك »… بهدف حماية الحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور…«.
كل هذا يبين شيئا واحدا، هو أن العلاقة وثيقة ومتلازمة بين حرية التعبير وحقوق الأفراد داخل إطار يضبطه النظام العام للدولة. وعليه، فالمعيار الحقيقي للصحافة والتعبير ونشر الخبر هو عدم الإضرار بالنظام العام ولا بالغير… بمعنى أن الصحافة حرة
ما لم تضر.
باحث بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة

شارك المقال