الخراب الصامت

25/07/2015 - 00:48

كنت أستغرب تلك الحكايات التي تتحدث عن استنجاد اللصوص برجال الدرك بعدما ينكشف أمرهم في المواسم الدينية التي تقام حول الأضرحة في بعض مناطق هذه البلاد. ولكن استغرابي هذا تبدد لما شاهدته، بفضل الشبكات الاجتماعية مؤخرا.
فبعد الاعتداء الجماعي على ذلك المثلي بفاس وما أثاره من ضجة، وصلتنا الأسبوع الماضي، عبر الشبكات الاجتماعية، صور مفجعة لاعتداء جديد، ولكن هذه المرة ليس على مثلي، بل على شخصين متهمين بالسرقة هناك في ذلك المغرب غير النافع، في إحدى قرى إقليم ميدلت. وعلى عكس المثلي الذي نجا من الموت رغم كل الركل والصفع والرفس الذي تلقاه، فإن أحد اللصين المفترضين، وكان رجلا متقدما في السن، لم يتحمل الضرب والرجم الذي تلقاه، فلفظ أنفاسه، بينما نقل شريكه إلى المستشفى في حالة خطيرة.
رب قائل يقول إن الحادثين، ورغم بشاعتهما، لا يشكلان ظاهرة، بل هما فقط، حالتان منفردتان وقد سارعت السلطات إلى اعتقال بعض المعتدين، بل شرع، أمس، في محاكمة بعض المتهمين في الاعتداء على مثلي فاس.
لا أميل كثيرا إلى نبرة الاطمئنان الخادعة هذه. أولا، لأن حالتي فاس وميدلت انكشفتا بفضل الشبكات الاجتماعية، وهناك حالات مماثلة تحدث في قرى وبلدات ذلك المغرب غير النافع الذي لا يصله ولا شعاع من نور الإعلام الشاحب أصلا، وتنتظر هاتفا ذكيا أو آلة تصوير مهما كانت بسيطة لتخرجها من الظل إلى عراء الشبكات الاجتماعية. ولعل كثيرين مثلي سبق أن بَلَغَ إلى مسامعهم عن المصير الذي ينتظر اللصوص الذين يتم كشف أمرهم في المواسم الدينية أو في الأضرحة، وكيف يلوذون بالدرك لحمايتهم من الحشود الهائجة. ففي هذه الأماكن والأزمنة، التي تكتسي قدسية خاصة، يرى الكائن المغربي أن القانون الوضعي يرتفع، ويعتبر أن طابع القدسية هذا يمنحه شرعية، بل يفرض عليه النهوض بمهمة «إنزال» العقاب على من «يدنسها».
ثانيا، حتى لو فرضنا أن مثل هذه الحالات لا تحدث يوميا، وأنها لم ترتق بعد إلى مرتبة «الظاهرة»، فهذا ليس بتاتا مبررا لإهمالها. فهي في تقديري مثل تلك التسربات المائية الخفية التي لا نعلم بها سوى بعد ظهور أثار الرطوبة على جدران البيت. وأكثر ما أخشاه أن نتعامل معها كما نتعامل مع هذه الرطوبة، ونعمد إلى إخفائها بما تيسر من «صباغة» الكلام المُهوِّن من خطورتها، وما تيسر من «زليج» الاطمئنان الخادع الذي يلمع ظاهره، بينما يتفتت كل ما تحته، ولن ننتبه إلا وقد غمر الخراب الصامت أساس البيت كله.
فإن كان الكائن المغربي يعتبر نفسه امتدادا ليد الله التي تنزل العقاب في الأمكنة والأزمنة التي تكتسي طابع «القدسية» لحد اليوم، فلا شيء سيمنعه غدا من التحلل كلية من كل القوانين القائمة في كل مكان ليعوضها بما يراه «شرعا»، يمتلك أحقية تطبيقه وفق تأويل من يعتبرهم «أهلا» لتفسيره.

شارك المقال