في ليلة أضاءها نور القمر، حمل جارنا الوقور كتابا بين يديه وشرع يَذْرَعُ الزقاق جيئة وذهابا، فما هو إلا يوم واحد حتى خرج شيوخ الحي عن بكرة أبيهم إلى الشارع، فبدا المنظر مُضْحِكًا، وكأنهم يستعدون لامتحان الباكالوريا، وكان لسان حالهم يقول: «لا أحد أحسن من أحد ـ كلنا علماء ـ»!!
هذا، واكتشف زميل لي ـ زمنا ـ أن مكتبتي تضم أعدادا من الكتب، وبعد يومين فقط، من اكتشافه هذا، شاهَدْت سيارة نصف نقل يحمل سائقها رزما من المؤلفات إلى مكتب صاحبنا، فتملكتني نوبة من الضحك!!
لا رغبة لأولئك الشيوخ، ولا لهذا القاضي في العلم، لكنها نفس ضيِّقَةٌ أصابها القنوط فتصرفت بذلك الشكل !!
وقد استلقى ـ صاحبي ـ أستاذ علم النفس على قفاه ضاحكا وهو يقول: «وضعت أمامي رزْمَةً من أوراق فارغة، ثم سلمت واحدة منها لأحد الطلبة فاحتج باقي الطلبة كي يَحْصُلونَ على ورقة بدون تفكير، وقد كان تفسير هذا السلوك هو موضوع الدرس، فأسقط في يدهم» !!
الانشغال بالآخر سلوك متأصل في مجتمعاتنا، وهو ما يعكس نشاط حركة التفات العين ذات اليمين وذات الشمال وإلى الوراء، فلا نتجه بها إلى الأمام، لذلك نتخلف عن الركب !!
ظل جارنا الطيب إلى وقت قريب يعتقد أنه ـ لوحده ـ من فتح بابا مستقلا لشقته بالعمارة، وأثناء جولة عابرة بالحي أكتشف أن السكان قاموا بدورهم بالفعل نفسه، فلم يبق لما قام به من جاذبية ولا جمالية.
أمّا القضاة، فقد قالوا لوزير العدل آنذاك الدكتور عمر عزيمان عندما ابتكر معيار التكوين والتأليف العلمي معياراً للترقية: «أنت لا تعرف شيئا، ثم أغرقوا مقر الوزارة بالأوراق، والكراطين، وبلغ الحمق بمسؤول قضائي أن أصْدَر محضر العمومية في كتاب ليستفيد من الترقية» !!
شعار البني آدم المغربي: «لا تترك غيرك ينفرد بمكسب مّا». لذلك، عندما أراد أحدهم استثمار مال المغادرة الطوعية في مخدع هاتفي على ناصية الشارع، فوجئ يوم الافتتاح بِجَارِه يَقُوم بالعمل نفسه، فضاع مالهما معا !!
وأذكر أني وجدت أوراق تصحيح امتحان مّا فوق مكتبي ـ فاعتقدت أنَّ مدير الموارد البشرية آنذاك أسند لي مهمة التصحيح ـ على الأقل لمن يَقْرأ هذه الأوراق، لأكتشف في ما بعد أن كل من في المحكمة يحمل قلما للتصحيح. وتَكْتَشِفَ الوزارة ذاتها أن هناك من المصححين العابثين من وضع النقاط على أوراق فارغة!!
لم يسلم أي قطاع من هذه الآفة، ففي مجال الإعلام ظهرت صحف الرصيف، وقال أصحابها لأساتذتهم: «لستُمْ وحدكم من له صفة مدير التحرير أو رئيسه نحن أيضا كذلك».
وفي قطاع البناء، حمل المعلمون والمحامون والقضاة والأطباء أكياس الأسمنت والآجور والفؤوس، ولم يخجل أحدهم وهو يقول للناس: «لا تنادوني باسم الأستاذ بَلْ نادوني باسم المقاول»!!
وعلى طول المدينة وعَرْضِهَا نبتت ـ كالفطريات ـ المدارس الخصوصية وأصبح كسالى الأمس مديري اليوم، ووظفوا النابهين لضيق ذات اليد !!
وتحولت بلادنا فجأة إلى جمعيات تحمل شعار المجتمع المدني، فَلَمْ يسلم قطاع التسول من هذا المرض، وقد فطن الأجانب إلى حِيَلِنا، فانتقلوا من بلدانهم البعيدة وسَلَّمُوا المعونات لمن يستحقها يدا بيد !!
وفي لفتة إنسانيةٍ مضحكة، لم يستسغ صاحب مقهى مَا كتبه زميله بالبند العريض: « فطور رمضاني بالمجان» فعلق لافتة كبيرة بمدخل الشارع كتب عليها «موائد الرحمن، وجبة فطور مكتملة: حريرة، بيضتان ـ عصير ليمون ـ فنجان قهوة ـ ماء معدني، وحفل السهرة مجانا». لا أحد أحسن من أحد، المهم ألا يوجد زميله في الساحة منفرداً!!
وزاحمت جاراتنا إحداهن، فلا يعقل أن تضع تحت إبطها سجادة صلاة التراويح، ليخرج فوج المؤمنات القانتات من الجيرة بعباءاتهن صفا واحدا إلى مسجد الحي!!
لا أعرف بالضبط من الذي ابتكر كتابة الآيَة «ولا تنس ذكر الله «صدق الله العظيم» التي تظهر على المرايا الخلفية للعربات. ففي طابور عريض طويل يبدو السائقون وكأنهم موكب حجيج في طريقه إلى بيت الله ! ومن غرائب الصدف أنِّي رمَقْت راكبا يحتسي قارورة جُعّة في حفل راقص داخل عربته وقد كتب على مرآتها الخلفية عبارة: «ولا تنس ذكر الله».
عندما شاهد أشعب الطماع جماعة تتجه نحو دار الخليفة، اعتقد أنهم ذاهبون إلى وليمة فتبعهم، فإذا هم شعراء، فلمّا أتى دوره ولم يكن شاعرا قال للخليفة: ألم يقل الله عز وجل: «والشعراء يتبعهم الغاوون».
رد الخليفة بلى.
ـ أنا يا سيدي من الغاوين فقط !!
ولعل أغلب من يظهر بِسَاحَاتنا العلمية وغيرها هم أمثال أَشْعَب من الغاوين، يظهرون بمظهر خادع، مثل علماء حارتنا المتربصين بقناديل الشارع !!
شريط الأخبار
وعكة صحية تُدخل عادل بلحجام غرفة العمليات
أولمبيك الدشيرة يعلن فك الارتباط مع المدرب مراد الراجي بالتراضي
المركز الروسي للعلم والثقافة بالرباط يحتفل بالذكرى81 لانتصار الشعب السوفيتي
القناة الأولى تراهن على الدراما التراثية من خلال سلسلة « بنت_الجنان »
ندوة دولية بالدار البيضاء تضع الهجرة تحت مجهر البحث الأكاديمي
2500 درهم لحضور حفل وائل جسار بالدار البيضاء يثير الجدل
السينما المغربية تستقبل فيلم “التسخسيخة” لسعيد الناصري
عمر بن عيدة يقدّم كتابه حول الجهوية والتنمية الترابية
طنجة: انتشال جثة طفل عمره تسع سنوات لقي مصرعه غرقا في بركة « سد مغاير »
ضحى الرميقي تطرح عملها الجديد « محايني » في فيديو كليب بتقنيات الذكاء الاصطناعي