نعم.. هو السي محمد العربي المساري.. مُفرد بصيغة الجمع، تغمّده الله برحمته، وألهم وطنه، وعائلته وذويه ومحبيه، وهم كُثر، الصبر والسلوان. إنه مفرد بصيغة الجمع بسعة علمه وفكره واهتماماته، وبكثافة وامتداد تجربته في عوالم السياسة والفكر والدبلوماسية والصحافة، وبعمق حبه لوطنه وهويته، وإنسيته المغربية، بتعبير المرحوم علال الفاسي.. هو مُفرد بصيغة الجمع في علاقاته الاجتماعية والإنسانية، صديق الجميع ومقبول من قبل الجميع، مترفع عن ضيق أفق السياسة واصطفاف السياسيين، منفتح على الأجيال والأعمار، ميّال إلى المشترك الإنساني، ومدافع عن قيمه، باحث عن مصادر الرفعة لوطنه وبلده.. هذا هو السي محمد العربي المساري.. المفرد بصيغة الجمع الذي لقي ربه آمناً مطمئنا.
من أعزِّ الأقوال إلى نفسي ما قاله «جاك بيرك» في ندوة باريس حول «عبد الكريم وثورة الريف»، المنعقدة منذ أكثر من أربعة عقود: «ليست العبرة في ما ترك أو يترك الإنسان، بل العبرة في ما ترك ليُفعَّل».. والحقيقة أن قيمة الإنسان لا تكمن في ما ترك، بل في ما ترك ليَقتدي به الناس، ويُفعِّلوه، ويستفيدون منه، ويصونونه ويحافظون عليه.. وأخال نفسي أن السي محمد العربي المساري من طينة الذين ينطبق عليهم هذا القول.
تعرفت على السي محمد العربي المساري منذ أكثر من ثلاثين سنة، وحين زرته لأول مرة في مكتبه بجريدة (العلم)، حاملاً له نسخة من رسالتي في الدراسات العليا، وجدت نفسي أمام رجل بشوش، تطمئن إليه وتألف حديثه وكأنك تعرفه منذ سنين.. يختصر عليك المسافات ويُدخلك بطيبوبته رأساً في صلب الموضوع، دون شكليات ولا مقدمات. ومنذئذ لم تنقطع صلتي بهذا الرجل، حيث شاركنا سويا في أكثر من مناسبة علمية وثقافية، وكان يحل علينا بانتظام ضيفا مُميزا في ندوات «مركز الدراسات الدستورية والسياسية» في مراكش، مُبهِراً الجميع بدماثة خُلقه، وسلاسة تعامله، وانضباطه العلمي باحثا، أو رئيس جلسات، أو مناقشا ومتابعا. كان ينصت كثيرا ويتكلم قليلا، تراه يُدون نقاطا، أو يكتب إضافات وملاحظات، كما كان سبّاقا إلى إعداد أوراقه البحثية، حريصا على إعادة تنقيحها وتدقيقها في ضوء المناقشات والمداولات.. فمشاركاته كانت تمنح ندواتنا ولقاءاتنا العلمية طابع الجدة، وعنوانَ التميّز.
من الذكريات الطريفة التي جمعتني بالراحل السي محمد العربي المساري، ما حصل لنا مرة في مطار مدريد بإسبانيا، كان ذلك في ما أذكر عام 2003 أو 2004. كنا في سفرنا إلى إشبيلية عبر مدريد للمشاركة في مؤتمر حول الحوار الإيبيري المغاربي، وحين توقفنا ننتظر تغيير الطائرة نحو مطار إشبيلية، وكان الزمن الفاصل بين الرحلتين قصيرا، جلسنا في مقهى بجوار بوابة المغادرة نتحدث عن الإصلاحات الجارية في المغرب وآفاق تطورها، فاستغرقنا الحديث، ونالت منا تشعباته، وحين استفقنا من نشوته، كانت طائرة رحلتنا نحو إشبيلية قد غادرت مدريد بأكثر من ساعة.. وبلباقة الرجل ودبلوماسيته وفصاحة لغته الإسبانية، أوجد لنا مقعدا في رحلة أخرى فجر اليوم الموالي.. وقد كتب عن هذا الحدث الطريف في أحد أعمدته الصحافية فور عودتنا إلى المغرب.
ليس في مُكن المرء الكتابة عن مناقب الرجل في حيز بسيط ومحدود، كما هو حال هذا العمود.. فسِجل السي محمد العربي المساري يحتاج إلى الكثير والكثير.. لأن ما ناضل من أجله، وبناه قطعة قطعة كبير وكثير. بيد أن من صلب هذا الكثير يمكن الإشارة إلى الأكثر بروزا وقوة من مناقبه. فالراحل ظل وطنيا وفيا وغيورا لبلده وتاريخه، مدافعا عن رفعته، ومناضلا من أجل أن يكتسب المغرب المكانة اللائقة به وبشعبه. كما استمر حاضرا في صف المدافعين عن قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وبالإجمال استمات الراحل على امتداد عقود طويلة على إعطاء صورة مشرفة عن نموذج المغربي الأصيل.. كثير من رفاقه في الحزب أو من المناصرين له استثمروا صورة المرحوم علال الفاسي ووظفوا اسمه دون استيعاب فكره وتمثل قيمه، غير أن السي محمد العربي المساري، خلافا لهؤلاء، ظل وفيا لفكر الزعيم ومتمثلا لمشروعه المجتمعي.. هذا هو السي العربي المفرد بصيغة الجمع، فعزاؤنا لعائلته، ولأبنه وخير خلفه الأستاذ الجليل نزار المساري.
شريط الأخبار
نقابة العدول التابعة لحزب الاستقلال تُنوه بالمعارضة جراء إحالتها مشروع قانون المهنة على القضاء الدستوري
وعكة صحية تُدخل عادل بلحجام غرفة العمليات
أولمبيك الدشيرة يعلن فك الارتباط مع المدرب مراد الراجي بالتراضي
المركز الروسي للعلم والثقافة بالرباط يحتفل بالذكرى81 لانتصار الشعب السوفيتي
القناة الأولى تراهن على الدراما التراثية من خلال سلسلة « بنت_الجنان »
ندوة دولية بالدار البيضاء تضع الهجرة تحت مجهر البحث الأكاديمي
2500 درهم لحضور حفل وائل جسار بالدار البيضاء يثير الجدل
السينما المغربية تستقبل فيلم “التسخسيخة” لسعيد الناصري
عمر بن عيدة يقدّم كتابه حول الجهوية والتنمية الترابية
طنجة: انتشال جثة طفل عمره تسع سنوات لقي مصرعه غرقا في بركة « سد مغاير »