العلاقة العمودية الحادة

08/08/2015 - 20:15

لعل أصولي السوسية هي التي جعلت تقبيل اليد مرتبطا عندي بكبار السن طيلة سنوات طفولتي. فمنذ وعيت وأنا أرى صغار العائلة يقبلون أيدي كبارها. ثم صرت أقبل يد فقيه المسيد، والأيادي التي تنضح برائحة الحناء للجارات المتقدمات في السن بحينا البسيط في درب السلطان.. أولئك النسوة اللواتي كنت أعتقد أن كلمة «مي» كانت جزءا لا يتجزأ من الأسماء التي أعطيت لهن بعد الولادة. ثم كنا، أنا وأقراني، نقبل أيدي كل من كنا نحس بهيبة مبهمة أمامهم. كنا نطبع قبلاتنا البريئة بشكل تلقائي على كل تلك الأيادي، التي نعرف والتي لا نعرف، حبا في بعض الأحيان ورهبة في أحايين كثيرة أخرى. ثم كبرت قليلا وصار يثيرني ذلك المشهد الذي يتكرر كثيرا في التلفزيون: أناس ببذل وجلابيب وطرابيش توحي بالهيبة والوقار يسارعون إلى تقبيل يدي الراحل الحسن الثاني، بل ويبالغون في الانحناء لبلوغ تلك الكفين الحاملتين خاتما في كل بنصر. وأتعجب لمَ لا يقوم الأجانب بالشيء ذاته، فلا تصدر عنهم سوى انحناءات قصيرة، ثم يمدون يدهم للسلام على الملك كأنه شخص عادي.

ثم كبرت أكثر، وأخذت ألتمس انحناءات الأشياء وزواياها، وأبحث عن إضاءة الكثير من العتمات التي تحيط بي. واكتشفت شيئا فشيئا أن تقبيل يد الملك جزء من طقوس مخزنية تعبر عن علاقة عمودية حادة جدا.. علاقة محكوم بحاكم.. علاقة رعية بسيد.. علاقة يد لها القدرة على العطاء والمنع، بشفاه تطلب الرضا وليس الحقوق. وجرى تغليف كل هذا بضرورات الوقار والاحترام، بل التقديس. وانتبهت إلى أن هذا الطقس له تمظهرات أخرى في روابط شيوخ الزوايا بمريديهم.. وعلاقات الأعيان في القرى وحتى المدن بمن يحيطون بهم… إلخ.

وهذه كلها من تلك الأثقال التي أود أن يتخلص منها المجتمع المغربي. ولهذا أعجبني كثيرا ما جرى خلال توشيح محمد بنسعيد أيت يدر الخميس ما قبل الماضي ضمن الاحتفالات الرسمية بعيد العرش. فالرجل لم يمتثل لطقس تقبيل اليد، ولا حتى قبل ارتداء ذلك اللباس المخزني، وفي الوقت ذاته لم يخل بالاحترام الضروري للملك. إن بنسعيد أيت يدر، المثقل بسنين طويلة من النضالات على جبهات متعددة، جسد في مشهد لم يتعد ثواني معدودة تلك العلاقة التي أحلم بأن تكون بين المغربي ورئيس الدولة.. علاقة احترام لكينونة الأول، وتقدير للمهام الدستورية للثاني.. علاقة لا يطغى عليها ذلك الطابع العمودي الحاد الذي يمثله طقس تقبيل اليد.

وأذكر هنا بأن هذا الطقس، خاصة بين الحاكم والمحكوم، ليس تقليدا إسلاميا حسب ابن خلدون الذي ربطه بـ«الملوك الكسروية» (ملوك الفرس). ولأسباب تاريخية غلب هذا الطقس حتى صار «عرفا»، فتم الاستغناء عن مصافحة الأيدي التي «هي الحقيقة في الأصل»، وفقا لصاحب «المقدمة» الشهيرة.

لست متأكدا إن كنت سأتخلص يوما ما من عادة تقبيل يد الأم، ولكن على كل حال أحلم بأن أستيقظ يوما وأجد طقس تقبيل اليد قد انتفى نهائيا، وإن كان ارتباطه بمفاهيم البيعة والنسب والشرف والإمامة والبركة يعوق حلمي هذا.. «ما بقيت تلك المفاهيم غامضة وملتبسة وضمن دائرة المسكوت عنه»، حسب تعبير المفكر عبد الله العروي.

شارك المقال