حـــــــداد!

11/08/2015 - 21:40
حـــــــداد!

بعينين تأبى أن تفارقهما الدموع، ووجه فيروزي صامد، تَسْتقبل المُعزِّين. ولولا الثوب الأبيض الناصع الذي يَلف الجسد النحيف لما خطرت على البال حالة حزن امرأة مات عنها زوجها!

يا لقساوة الموت:

في رمشة عين تختفي الأشياء البسيطة: إغماءة طرف، وحرارة كف، ونَبْضَة قلب، وخفة حركة، وتحية، وأمنية، ودردشة عبر الهاتف، وجسد ساكن في فترة قيلولة أو ليل بهيم سَيُفيق بعد حين. يكتسح الضباب مرآة العقل فتجتهد الذاكرة كي تدرك خيط دخَان كان قبل حين ملئ العين واليد والفؤاد!!

ثم نَسأل أنفسنا: هل نستطيع العيش لوحدنا؟ سؤال أجاب عنه أبا الطيب المتنبي يائسا:

               ومَا غَامَت الدُّنيا عليَّ لِضيقها

                                       ولكن طَرْفًا لا أَراك بِه أَعمى

وأجاب عنه ذلك الوزير المصري الذي انسل إلى قبر والديه ونام بجوارهما قائلا: شغلتنا الدنيا عن أعز الناس:

نعم، شغلتنا الدنيا: عمن نفيق على صوتيهما صباحا كي نسرع إلى المدرسة أو العمل، ولا تنام أعينهما قبل أن يتفقدا الأَسرَّة ويلهجان بالدعاء لنا: إنهما الوالدان!

وشغلتنا الدنيا: عن أخ وأخت كَانا وكنا سلاَحهما في الهَيْجَاء، عن زوج وصديق..عن أعز الناس!!

وَأَجابت عن ذات السؤال، الفنانة القديرة مديحة يسري: لا، لم يمت أصدقائي، هم في رحلة سفر طويل، من خلال الأفلام التي أعيد مشاهدتها أعيش معهم أَحْيَاء، وحذا حذوها الممثل الكبير آلان دِيلون: في غرفة الذكريات يحاور رومي شنايدر زملاءه الفنانين، وكلما تيسر لي زيارة قبور أفراد عائلتي طالعني وجه ذلك الزائر الأليف وهو يقول: أخبرت زوجتي رحمها الله بآخر المستجدات: « نجح عُمر، وآية مخطوبة، والكل يسلم عليك».

بعينين تأبى الدموع أن تفارقهما، وبوجه فيروزي صامت، تودع الأرملة الجديدة أصحابها، بعد حين سيغادر المُعزون المكان، سيَسكن الفراغ مكان الجسد الراحل، سيبحث الولدان عن أبيهما، ستظن المرأة أنها في ما تحس به لوحدها.

  لا، فقد علمتنا عِشْرَة الزمن الجميل أن نفرح لأفراح الآخرين، ونحزن لأحزانهم، فنعلن في صمت حِدَادنا، فَلَمْ يكونوا في حياتنا أناسا عاديين: بل كَانوا أعز الناسِ!!

شارك المقال