انتخابات الغرف المهنية.. القراءة العصية

13 أغسطس 2015 - 23:29

سمحت نتائج انتخابات الغرف المهنية التي شهدتها بلادنا حديثا (07 غشت 2015) بتكاثر المقالات المتداولة على أعمدة الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، كما فتحت الباب لتناسل التحليلات السياسية.. ولأنها حلقة ضمن مسلسل الانتخابات الجماعية لهذا العام، فقد تضاربت الآراء حول طبيعة نتائجها، وآثارها المحتملة على بقية الانتخابات المقبلة.

لا يُخالجُ المتابع شك في أن لانتخابات الغرف المهنية طبيعة خاصة، كونُها مهنية بالدرجة الأولى، وليست سياسية ولا عامة.. إنها تهم قطاعات بذاتها ولذاتها، وإن كانت لها صلة غير مباشرة بتوازنات المؤسسة التشريعية.. ولعل هذا المعطى بالغ الأهمية في تحليل منحنيات السلوك الانتخابي ونتائجه بالنسبة إلى الغرف المهنية. ثم إن لهذه الانتخابات رهانات تختلف إلى حد بعيد عن رهانات الانتخابات التشريعية العامة، التي يُفترض أن يكون الحسم فيها لتنافس البرامج والاستراتيجيات والمشاريع، أكثر من عوامل أخرى، خلافاً لانتخابات الغرف التي تبرز فيها أكثر مواقع الأشخاص، وخلفياتهم الاجتماعية والمهنية، وتكون الكلمة الفصل في نتائجها ليس بالضرورة للتنافس السياسي بالمعنى المباشر، وإنما لاعتبارات أخرى ذات صلة بالمصالح الاقتصادية والمالية، أو بـ«الغنائم» في بلدان لم يتأسس بعد مفهوم «المصلحة» في ثقافتها السياسية.

باركت وزارتا الداخلية والعدل والحريات العامة نتائج انتخابات الغرف المهنية الأخيرة، ولم يصدر عن الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ما يدعو إلى التشكيك في حيادية الإدارة ونزاهة التصويت.. والحال أن المغرب فتح طريق الانتقال من اللانزاهة إلى النزاهة في الانتخابات منذ 2002، ومازال يجتهد مواطنوه من أجل ترسيخ قيمة النزاهة في سلوكهم الانتخابي، أي في الثقافة السياسية للمجتمع. لذلك، يمكن الانطلاق من النتائج المعلنة رسميا للجواب عن سؤالي: الحصيلة والتأثير المرتقب في الحلقات المقبلة للانتخابات الجماعية.

تصدر «حزب الأصالة والمعاصرة» قائمة المتنافسين بـ18،72%، وبعده «حزب الاستقلال» بـ16،11%، وفي المرتبة الثالثة «حزب التجمع الوطني للأحرار» بـ14،96%. ومما هو لافت ومثير للتساؤل في الآن معا صعود ما يسمى «المستقلون» أو «اللامنتمون» كقوة رابعة بـنسبة 11،84%، أي بفارق في المقاعد والترتيب عن الحزب الذي يقود الحكومة، وأحزاب المعارضة الحالية باستثناء حزب الاستقلال.. هل من الجائز علميا وواقعيا القيام بقراءة لهذه الحصيلة، والتأسيس عليها لاستشراف ما سيحصل في حلقات الانتخابات الجماعية المقبلة؟

لا أتردد في القول إن هذه النتائج لا تصلح لاعتمادها عينة للحكم على منحنيات تصويت الجسم الانتخابي بالنسبة إلى الانتخابات المقبلة، لاعتبارات تم بسطُها في مقدمة هذا العمود، ولاحتمال حصول تغيرات تفرضها طبيعة الانتخابات المقبلة.. بيد أن المهم في نتائج انتخابات الغرف المهنية أنها أمدتنا بمؤشرات أولية عن واقع المشاركة في العملية الانتخابية، وعن حال القوى المتنافسة أو المفترض أن تكون متنافسة في الانتخابات المقبلة، سواء في الأغلبية أو في المعارضة.. وغير هذا سيكون عصياً على المتابع للشأن السياسي والانتخابي المغربي القيام بقراءة جدية ومتوازنة لهذه الحلقة من الانتخابات.

لذلك، يكون من البلادة الحديث عن تصويت عقابي لهذا الحزب أو ذاك أو لهذه القوة أو تلك، أو التهليل والتضخيم لتسويق صورة هذا الحزب أو ذاك من الأحزاب ذات النصيب الأوفر في هذه الانتخابات.. ثم إن المتمعن في مجريات انتخابات الغرف المهنية الأخيرة مقتنع، إن كان صادقاً مع نفسه، بأن ثمة معطيات لا تبدو بما يكفي من الوضوح لمعرفة السلوك التصويتي الحقيقي للمشاركين في هذه الحلقة من الانتخابات، وكذلك قد لا يكون على اطلاع كاف على المحددات المتحكمة في الاصطفافات الحزبية الحاصلة.

ومع ذلك، ما يمكن استخلاصُه من نتائج انتخابات الغرف المهنية المعلنة رسميا، أن ثمة استقراراً وثباتاً بالنسبة إلى بعض الأحزاب على صعيد نصيبها من المقاعد مقارنة بانتخابات 2009، وهناك تقهقر لبعضها، وتقدم طفيف للبعض الآخر، وتصاعد بالنسبة إلى قليل منها، كما هو حال حزب الأصالة والمعاصرة، ليس بحجم ما كسب في انتخابات 2009، لكن ليس بعيدا عنه.

شارك المقال

شارك برأيك

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

التالي