المال هو عصب الحروب.. وعصب الانتخابات كذلك. وتلتهم كل العمليات الانتخابية في الديمقراطيات الحقيقية أموال طائلة. فقد ابتلعت الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي باراك أوباما، مثلا، خلال سعيه لولاية ثانية في خريف 2012، حوالي 570 مليون دولار، كما كلفت الحملة الرئاسية للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أكثر من 21 مليون أورو. هي أرقام رهيبة فعلا، ولكنها توظف كلها للتعريف بالمرشح وإقناع الناخبين بأنه الأفضل لهم، وبأن برنامجه هو الأكثر ملاءمة لتطلعاتهم.
ولا يجرؤ أي أحد من المتبارين في البلدان الديمقراطية في توظيف لو فلس واحد لشراء ذمة ناخب ما:
أولا، لأن سيف القانون لا يتساهل مع هذا الأمر هناك، وينزل بقوة وصرامة على أي يد يثبت أنها حاولت شراء صوت ما؛ ثانيا- ولعل هذا الأمر هو الأهم- لأن المواطن هناك يدرك أنه المصدر الذي يستمد منه هؤلاء الساعون إلى مراكز الحكم شرعيتهم، وأن صوته هو تلك السلطة الحقيقية التي لا توزن بالأورو أو الدولار أو الجنيه الإسترليني.
إن المواطن في تلك الدول الديمقراطية يعي جيدا أنه فرد يمارس بفاعلية فردانيته الكاملة، بالمساهمة في تدبير شؤون الجماعة التي ينتمي إليها، من خلال انتداب من يقتنع بأنهم مؤهلون للنهوض بالشؤون المشتركة «بمقتضى العقل»، وليس «بمقتضى الهوى» كما قال عبد الرحمان الكواكبي مرة.
أما عندنا، في هذه البلاد العزيزة (بمعنى المستعصية وبمعنى المحبوبة)، فالمال لا يوظف فقط للتعريف بالبرامج الانتخابية (إن وجدت أصلا)، بل أساسا لشراء أصوات المصوتين. وهذا في تقديري لسببين رئيسيين:
أولا، المرشح يعتبر العملية الانتخابية- وهي في العمق ركن من أركان النظام الديمقراطي، الذي يعتبر لحد الآن أفضل أنواع الحكم الذي توصلت إليه البشرية رغم مساوئه حسب وينستون تشرتشل- في نهاية المطاف استثمارا شخصيا يجب أن يرصد له ما يلزم من مخصصات مالية، لأنه سيجني الثمار حين يحصل على تزكية صناديق الاقتراع (سواء في الجماعة أو البرلمان أو الغرف المهنية…)
ثانيا، لأن الكائن المغربي يدرك جيدا، بحدس فطري، أنه ليس مصدر شرعية أولئك الذين يدبرون شؤونه، وأنه مجرد عنصر مبهم في جماعة يحس بثقلها الكبير عليها، وإن كان لا يعرف حجمها بالضبط. كما يحس أن كل المؤسسات التي ولدت وتولد لا تمثله حقا وإن ادعت ذلك. وبالتالي فهو يخلص بفطرته إلى أن صوته لا يزن سوى وزن تلك الورقات النقدية (سواء كثرت أو قلت).