أثار الملك في خطاب عيد العرش، بلغةٍ مباشرةٍ وقوية، انتباه وزير الخارجية [إلى ضرورة العمل، بكل حزم، لوضع حد للاختلالات والمشاكل التي تعرفها بعض القنصليات. فمن جهة، يجب إنهاء مهام كل من يثبت في حقه التقصير أو الاستخفاف بمصالح أفراد الجالية أو سوء معاملتهم. ومن جهة أخرى، يجب الحرص على اختيار القناصلة الذين تتوفر فيهم شروط الكفاءة والمسؤولية، والالتزام بخدمة أبنائنا بالخارج].
توالت -بطريقةٍ مثيرةٍ- سلسلةٌ سريعةٌ ومُتواصلة من الإجراءات والقرارات على مُستوياتٍ متعددة، نذكر منها:
– عقد لقاءات ماراطونية لمسؤولي الوزارة لدراسة توجيهات الملك والسعي لتنزيلها على أرض الواقع.
– اتخاذ إجراءات استعجالية مباشرة بوزارة الشؤون الخارجية، من ضمنها ما يهم تجميد العطل السنوية للقناصلة وبعض الموظفين.
-عقد اجتماع مُشترك على مستوى وزارات الخارجية والتعاون والداخلية والعدل والحريات، اتخذت فيه العديد من القرارات التي وصفت بـ «الضرورية والحاسمة»، التي تصب جميعها في تحسين أداء عمل قنصليات المملكة في الخارج.
– إعلان وزارة الشؤون الخارجية والتعاون – تنفيذا للتعليمات الملكية الواردة في الخطاب الملكي – أنه سيتم، ابتداء من هذا اليوم (17 غشت)، إطلاق خدمات رقم أخضر دولي يتم وضعه رهن إشارة أفراد الجالية القاطنة بالخارج لتلقي شكاياتهم بخصوص الخدمات القنصلية المقدمة إليهم من طرف البعثات القنصلية المغربية بالخارج.
– دعوة وزير الشؤون الخارجية لاجتماعٍ مع مجموعةٍ من أطر الوزارة الذين تقل أعمارهم عن 30 سنة، الذين سيتم إلحاقهم بالقنصليات العامة للمملكة بعد فترة تكوين قصيرة، وذلك -وفقاً للتغطية الرسمية- في «إطار برنامج الإصلاح والرفع من مردودية القنصليات، والتفاعل الايجابي مع مغاربة المهجر، إعمالاً لثقافة جديدة ومنهجية جديدة وروح جديدة».
ما وقع يعيد التذكير بالنّفس التنفيذي الذي حافظت عليه الخطب الملكية، في مرحلة ما بعد 2011، حيثُ الملك يوجه تعليمات مباشرة إلى الوزراء، أو يحمل انتقادات لاذعة لبعض القطاعات، كُل هذا في إطار جيلٍ جديد من الخطب، يتميز بلغة بسيطة وبيداغوجية قريبة من معجم التداول الصحافي اليومي، وبنبرةٍ نقدية تقف على اختلالات التدبير العمومي، تم وأساساً بتواتر اللجوء المتكرر إلى استعمال ضمير المتكلم الفرد.
يقول الملك مثلاً في خطابه الأخير: [لقد وقفت، خلال الزيارات التي أقوم بها إلى الخارج، وعندما ألتقي ببعض أفراد جاليتنا بأرض الوطن، على انشغالاتهم الحقيقية وتطلعاتهم المشروعة]، ثم يضيف [وقد عبر لي عدد من أبناء الجالية عن استيائهم من سوء المعاملة ببعض القنصليات].
الواقع، على عكس ما ذهبت إليه بعض التحاليل، أن هذه النبرة التنفيذية لا ترتبط بطبيعة القطاع، وعلاقته بالشأن الدبلوماسي كمجالٍ محفوظ للملك. ففي نفس الخطاب، تم التطرق إلى قطاعات التعليم والسياسات الاجتماعية، من خلال برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهي نفس المنهجية التي تم استعمالها في خطب سابقة ذات صلة بقطاعاتٍ متعددة.
مرة أخرى، لا تبقى «الغضبة الملكية» مجالاً لتكهنات الصحافة والتسريبات والإشاعات، بل إن الملك يعبر مباشرة عن عدم رضاه على تدبير مرفق من مرافق الدولة، كما وقع تقريباً في حالة «المشروع الوطني لتجارة القرب»، عندما كلف وزير الداخلية رسمياً بإعلان موقف الملك الغاضب من سير المشروع .
لابد من باب المُفارقة أن نطرح سؤالاً بليداً حول مآل كل الاختلالات التي يتحدث اليوم وزير الخارجية عنها، لو لم تتم إثارة الموضوع على مستوى الخطاب الملكي، وطبعاً لا بأس من التساؤل عن حدود هذه اليقظة الاستثنائية وعن مآلاتها وشروط تنزيلها، وعما إذا كانت ستطال كل أعطاب العمل الدبلوماسي، وهل ستتمخض عنها رؤية إستراتيجية قابلة للحياة؟
لا نريد الاستطراد وراء تناسل الأسئلة الساذجة، فما وقع عموماً دليل آخر على تموقع الملك وصلاحياته، وعلاقته الرئاسية المباشرة مع الوزراء، ومن جهة أخرى عنوان لعجزٍ مزمنٍ في المبادرة على الواجهات الإدارية والسياسية.
لكن مع الآسف، وانطلاقاً من دروس الأمس، سيُدبر ملف العمل القنصلي -اليوم- بشكل ليس ببعيد عن منطق «حملات التطهير»، ثم بعد قليل سيخبو الحديث عن الإصلاح وعن المسؤولية، وسيعود الزمن السياسي المغربي إلى سابق رتابته، وإلى انتظاراته المميتة، في انتظار خطابٍ ملكي جديد وغضبةٍ جديدة.